في حضرة"حكايات حارتنا"..كاك برهم علي

في حضرة"حكايات حارتنا"..كاك برهم علي
فاروق حجّي مصطفى
على غير ما نحن معتادون عليه، رّتب برهم مكاناً خاصاً له وصاح كما لو انه على التلة بصوت خافض، ولعل أختصر صياحه على السرّ الذي رافقه منذ الطفولة، وكيف انّ الاسرار لها أسوار فانّ قيّم الذي كبّلت كاك برهم منعته وبنت له أسواراً. بغداد لم تنفعه، والسليمانية مسقط رأسه لم تنفعه أيضاً، شيئا ما بداخل برهم كان صغيراً وكلما كبر برهم كبر معه. هو الرفض ما هو عليه. لا يرضي بالسياسي اللحظة، ولا بالمثقف المرحلة، حتى ان تمرّدَ على صوت العالي الذي كان يأت من أبيه، ولوالدته رحمها الله حديث آخر. الكل ينظر إلى هذا المثقف الصحافي على انه لاذع، وعلى انه لا يرضى بسهولة وهو بالفعل يتمعن في كل شيء ويختار بعض الشيء. لي تجربة معه، وأخطأت في حقه، ولكن كاك بوتان وكاك نورالدين آصلحا الوضع قبل أن ينفجر بوجهي. حيث غضب برهم كغضب الصخرة.
هو أيضا يتحدث بشكل مباشر وشفاف عندما يتحدث عن التاريخ والاسطورة، عندما يدك فيه هواء زردشت، لكنه سرعان ما يتعدل مزاجه ويتكئ إلى أغنية آراس على ما أعتقد.
لبّ القصة هو كتاب يقارب حجمه ٥٠٠ صفحة، عنوانه "قصص ..حكايات حارتنا" وهو الكتاب الذي يتحدث عن الجميع ولا يتحدث عن أحد في نفس الوقت، من عادة برهم فقط يؤشر إلى مكامن الغلط بالفكاهيّة السياسيّة، هو ينتقد الفعل اذاً ويتطلع إلى الصح في الحياة العامة. لم يرتجف برهم وهو يلقي الضوء علي كتابه مع ان مجالسييه والذين فاق ٢٥٠ مثقفا من النوع المهم، والصالة تعج بالنساء الجميلات كالاميرات عرفت منهن هيروخان الزميلة المبدعة والمخلصة لكاك برهم وللحفلة. في جانب الاخر كاك حاكم ازاد وكاك هلكرت وكاك ازاد جندياني، وهؤلاء مهمّين جداً، وغيرهم كثر من المثقفين من الطراز الثقيل. في حين ان الكثير من زملاء برهم حضروا وتقاسموا الفرح مع برهم، كالزميل شمال عبدالله وغيره. في حين كانت الحسرة موجودة، لأ كاك نورالدين وبوتان كانا غائبين عن هذه المناسبة المهمّة.
قال برهم قبلها بيومين: ان لي حفلة توقيع كتاب في "فندق رويال فان" في الساعة الثالثة والنصف من يوم الثلاثاء، تحّدث بالتواضع، دون ان تشعر بأن له حفلة أو لحظة فرح لباكورة قصصه والتي تتحدث عن حاراته الشعبية والتي شببهها على "انها قرية من ضمن المدينة "، أو حارته الحزبية والذي لم يبخل بألغازه لرفاق قيّمه، والسياسة وعالم الصحافة. لبرهم قصص أخرى لم ينشرها بعد. له في كل لقاء قصة وتجربة. هو يحب لون الازرق. ويمجد الاجداد ويعشق النار والشمس. في مكتبه في صحيفة باس تشعر بالراحة التامة. تدخن كما تريد وبامكانك ان تتحدث عن كل ما هو ممنوع او مسكوت عنه، وهذا أيضا حديث يحتاج الى وقت آخر للحديث عنه.
وما أن تدخل إلى بهو الاوتيل حتى تستغرب..، الحراس لا يفتشونك كما لو ان برهم نصحهم، حتى شكل الفندق بدا لنا كانه مدروس، اعرف فنادق كثر هنا في هولير، لكن لم يسبق لناظزي أن وقع على فندق "رويال فان" مع اني أقمت لاشهر على مرمى حجر منه حيث "فندق دارين". زائرو كاك برهم وجدوا الصعوبة في الصعود الى الطابق الاول، حيث الصالة التي سيبث برهم للمرة الأولى عن سرّه الدفين. نحن صعدنا مع برجافيات اي زميلاتي رولا خان ونيرمان خان على الدرج دون ان نكلف أنفسنا للحظة لنستخدم اصانصيل بعكس غيرنا.
في صدر القاعة كان كاك نوري الجميل وهو زميل، وصديق لبرهم، يتحدث بهدود ويبحث أو يبحر في عالم برهم الغريب فيما صديقنا "عريس اللحظة "صامت ساكت كالصخر وعيناه تلتفتان طرفاً الى طرف وكان له اذان صاغية لكل كلمة تصدر عن الزميل الصحافي الذكي. لم يقاطعه ولم يضع يده على صدره لكل من دخل الى القاعة. انتظر للنهاية ليرمي لنا من باقة وروده زهرة معطرة.
أتى دوره ليتحدث ، وبدأ بالحديث، وتطرق إلي سرّ حكايات حارته، دون ان يكشف عن ما هو يحسب على حساب الاسرار. حافظ على الاسوار، لباقة برهم كان واضحا بل ومدهشاً تماما مثلما كان حال مدعوييه، اختار الحضور من المثقفيين الذين وما ان يمر يوما كانوا قد قرأوا سطراً من "شرف نامه".
غالبية الحضور كانوا من قرّاء برهم. وكل ما رغب بالحضور كان يعلم مسبقاً نوع القنبلة التي صنعه برهم لمدة أكثر من خمسة عشر عاماً. الجميع سياسيون وبنفس القياس كانوا مثقفيين. السياسي الاول والوحيد كان كاك سفين دزيي. وهو كان جالس الى جانب الرجل الثقافي بلا امتعاض دون أن يحرك يديه لا إلى الحارس أو المرافق له. مثلنا سمع كل كلمة سواء كان مصدره من زميل نوري أو من برهم. وأشار برهم اليه ونطق باسمه جليّاً. وكاك دزيي هو ليس سياسيّ فحسب انما سياسيّ وأحد امراء الكُرد في هذه البلاد المتعبة من سهام القريب والبعيد. وجود كاك سفين كان مهمّاً، وكوني أعرف برهم انه لا يدعو أحد في مقرّه الا ان كان واثقاً بان الذي يدعييه لا ينظر الى ساعته كل ربع ساعة. برهم حساس إلي حد حساسية عقارب الساعة، وبدا لنا اختياره لكاك سفين كان له معنى ان الرجل هو مسؤول عن حضوره وعن من دعاه، ومع ان قصص برهم هي قصص نقديّة، فان لوجود كاك سفين أعطاه قيمة مضافة. ليس سهلاً ان يتقبّل المثقف النقد. ونعتقد بوجود اميرنا كاك سفين أثبت العكس ، هو سمع النقد وحمل معه كل الاسرار،، والامراء من هذا النوع يمكن ان يؤسس معك فسحة من الحريّة وشيء من النور، فمن عاش في بيئة الامراء يستطيع أن يكون ديمقراطيّاً على عكس بعض من البيئات المجتمعيّة الأخرى.
الملفت في حفلة "حكايات حارتنا"، هو ان الحضور كان كبيراً ولم تختصر على ما هو من البارتي، لكن وحسب ما قال صديقه المبدع كاك آراس لو انّ البارتي هو نفس البارتي الذي ينتمي اليه كاك برهم فكلنا بارتيين، هو يقصد القيّم البارزانيّة ويؤشر لها دون تردد
بجانب برهم وهو ماكث على منصة "فيليكس" عليه صورة الكتاب وبضعة كلمات، ما جذب الانظار والانتباه فيما المتلقي يسمع كلمات ومداخلات أصدقاء برهم كان يحاصر البعض ضحالة الصبر وبدا انهم ينتظرون حتى ليقول صاحب "حكايات حارتنا" "انتهيت" وكانت هذه هي "حكايات حارتنا"!
الكل كان شغوفاً لمعرفة سرّ حارة برهم وأخيه كاك عبدالرزاق ذاك المثقف والصحافي الكبير، في وقت انّ شريكته في الحياة والحب الاعلاميّة المرموقة نازخان شغوفة بالضيوف حينا وبسعادة زوجها حينا آخر، فيما كان يحضّر الزملاء والاصدقاء "كاتو" الكبير من لون غارق بين السماوي ولون زيتون ، هي بمثابة الهدية التي كانت تحضر ناز خان لزوجها الشهير المبدع برهم علي..
وما ان أعلن كاك نوري انتهاء الوقت، حتى مسك كاتبنا بقلمه وبدأ بتوقيعه الذي يشبه تلك الدائرة التي كنا نرسمها عندما كنا صغاراً، وهو الوقت نفسه الذي كان متاحا للكل حتى يقوللوا:مبروك كاك برهم
في لحظة ان هذا الكتاب طالما انتظرته المكتبة الكُرديّة للسنوات!