تمديد حظر الطيران في كردستان وسياسة كسر العظم

تمديد حظر الطيران في كردستان وسياسة كسر العظم
رياض علي

يعتبر حق التنقل والسفر من الحقوق الاساسية التي يتمتع بها الانسان في أي بقعة من الارض، وقد تم التاكيد على هذا الحق في الكثير من العهود والمواثيق الدولية، ولا سيما الاعلان العالمي لحقوق الانسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، ومن المفترض قانونياً وأخلاقياً ان لا يتم وضع أية عراقيل أو صعوبات أمام ممارسة هذا الحق، وإلا اصبح غير ذي جدوى، الا ان حكومة بغداد برئاسة السيد العبادي قد ضربت بهذا الحق عرض الحائط وطوله، وسخرته لممارسة اجنداتها السياسية المتمثلة بالرغبة في الانتقام من حكومة اقليم كردستان على خلفية الاستفتاء الذي تم بتاريخ 25/9/2017، وعبَّر فيه حوالي 92% من المصوتين عن رغبتهم بالاستقلال، وعلى هذا الاساس فرضت حظرا تاماً على حركة الملاحة الجوية من والى الاقليم منذ نهاية شهر ايلول 2017 وحتى الان، بل واجتهدت حكومة الاقليم بتاريخ 28/12/2017 وقامت بتمديد الحظر الى تاريخ 28 شباط 2018 وذلك عبر ايميل مرسل من قبل وزارة النقل العراقية الى مطاري اربيل والسليمانية، دون ان تكلف نفسها عناء تبرير القرار وبيان مسبباته !!!.
ثم ما الغاية من اغلاق المطارات الموجودة في الاقليم ومنع الملاحة الجوية منه واليه؟ اذ ان تلك المطارات هي مطارات مدنية لا عسكرية تنقل البشر والبضاعة من والى الاقليم، واذا كانت غاية حكومة بغداد هي استلام ادارة المطارات والاشراف عليها كما تزعم، كان من المفترض بها قبول الحوار مع حكومة الاقليم وفتح قنوات التواصل معها، لا ان تكتفي بالرفض لكل مايمكن ان يكون مفتاحاً للحل، اذ اكدت السيدة تالار توفيق رئيسة مطار اربيل في اكثر من مقابلة تلفزيونية، "بانها حاولت اكثر من مرة التواصل مع وزارة النقل العراقية عن طريق حكومة الاقليم، كي تفهم منهم ما هو المطلوب وما هي الاجراءات المتوجب اتباعها لرفع الحظر الا ان السادة في حكومة بغداد رفضوا التعاون بهذا الخصوص"، مما يؤكد بان حكومة السيد العبادي اتخذت قرارها في معاقبة شعب الاقليم، لانه عبر عن حقه في تقرير مصيره باسلوب ديمقراطي حضاري، وهذا الحق (تقرير المصير) ليس اختراعا كردياً كما يتوهم البعض، بل تم النص عليه في ميثاق الامم المتحدة وفي العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
والاكثر لفتاً للانتباه هو ان السيد العبادي قد تمترس خلف الدستور العراقي لعام 2005 في ممارسة هذا الاجراء العقابي بحق شعب الاقليم، وهو يعلم يقيناً بان اقليم كردستان لم يلجأ الى الاستفتاء الا كخيار أخير بعد ان انتهكت حكومة بغداد الدستور نفسه، من خلال قطع ميزانية الاقليم وعدم دفع رواتب الموظفين وعدم تطبيق المادة 140 منه (الخاصة بضرورة اجراء الاستفتاء في كركوك والمناطق المتنازع عليها لتحديد تبعيتها في مدة أقصاها 31/12/2007)، زد على ذلك فان تكرار الحديث من قبل البعض، ولا سيما حكومة المركز عن ضرورة الالتزام بالدستور، قد يوحي للبعض بان الدستور يلزم ببقاء العراق دولة اتحادية وهذا غير صحيح، لأن الدستور هو بالمحصلة عقد اجتماعي و”العقد شريعة المتعاقدين” وبالتالي فان اخلال أي طرف به يتيح للطرف الاخر التنصل من مسؤولياته وواجباته المنصوص عليها في العقد انطلاقا من مبدأ المعاملة بالمثل، وقد ورد في ديباجة الدستور العراقي ان “العراق بكل مكوناته واطيافه يقرر بحريته واختياره الاتحاد بنفسه.. وان الالتزام بهذا الدستور يحفظ للعراق اتحاده الحر” وبالاستنتاج بمفهوم المخالفة فان عدم الالتزام بالدستور لن يحفظ للعراق اتحاده الحر، وعليه فان انتهاك حكومة بغداد للدستور يعطي الحق دستوريا للاقليم بالتنصل من هذا العقد (الدستور) واتخاذ الخطوات التي يراها مناسبة، ومع ذلك اعربت حكومة الاقليم اكثر من مرة عن التزامها بالدستور.
ولم تكتف حكومة بغداد باغلاق المطارات امام حركة الملاحة الجوية بل استخدمت كل ما هو متاح لديها من خبث سياسي للانتقام من الشعب الكردي، اذ انه قام بمنعه من الاستيراد والتصدير ولا سيما بمادة النفط من خلال السيطرة على المنافذ البرية، والسيطرة عسكريا على مدينة كركوك الغنية بالنفط تحت امرة قاسم سليماني وبمساعدة الحشد الشعبي المدعوم ايرانيا، كما وقام البنك المركزي العراقي بناء على القرار رقم 58 تاريخ 12/10/2017 الصادر عن مجلس النواب بوقف جميع التعاملات المالية مع كردستان، ومنع البنوك وشركات الحوالات المالية العاملة في بغداد والمحافظات الاخرى من تحويل المبالغ بالعملة الصعبة للاقليم، ليزيد ذلك من تفاقم الازمة المعيشية للمواطنين ويحرمهم من استيراد الاحتياجات اليومية من المواد الغذائية والاحتياجات الضرورية من دول الجوار.
مما لاشك فيه ان مثل هذه القرارات والاجراءات ستؤدي الى نتائج غير محمودة، حيث توقفت الكثير من الاستثمارات الاجنبية في الاقليم، وكذلك توقفت اكثر من اربعمئة شركة سياحية عن العمل وازدادت نسبة البطالة بين مواطني الاقليم بدرجة كبيرة، وهذا خلق بدوره نوعا من الشرخ بين الحكومة والمواطن، ولا سيما مع تلكؤ الحكومة في دفع رواتب الموظفين عدة أشهر، وقد ظهرت نتائج هذا الاحتقان من خلال المظاهرات التي جرت في مدينة رانية في السليمانية.
مع تعنت حكومة العبادي واصرارها على الاستمرار بسياسة كسر العظم، مستغلة الغضب الاقليمي ضد كردستان والسكوت الدولي والانتصار الاخير على تنظيم داعش، والانقسام والتشظي السياسي الكردي، ووضع كل ذلك في خدمة السيد العبادي وتحقيق مصالحه الشخصية باظهاره كبطل قومي عراقي يرضى عواطف البعض من القومجيين الراغبين بعودة الحكومة المركزية في العراق، وبالتالي التعامل مع الاكراد على غرار حكومات البعث السابقة، فان ذلك قد يعمق فجوة الخلاف بين الطرفين، ويقوض العوامل المشتركة بينهما وقد يجر العراق الى مواجهات غير محسوبة النتائج سيكون الشعب العراقي بعربه وكرده هو الخاسر الاكبرفيها، سيما وان الكثير من الدكتاتوريات السابقة قد لجأت الى سياسة القوة في التعامل مع القضية الكردية، والتي وصل بها الامر الى استخدام الاسلحة الكيميائية وغيرها من الاسلحة المحرمة دوليا ولم تنجح في ابادة هذا الشعب او اركاعه وجعله مسلوب الصوت والارادة.
ولكن أليس من الممكن ان تكون هذه السياسات غير المسؤولة سبباً في نفور المجتمع الدولي والقوى المحلية من حكومة بغداد، وأن تُكسِبَ الاقليم تعاطفا دوليا واقليمياً وينقلب السحر على الساحر، لانه وكما يقال اذا زاد الشيء عن حده انقلب الى ضده، سيما وان حكومة الاقليم تبدي تجاوباً أكبر نحو الحوار والتعاون مع حكومة المركز؟
*قاضي سابق، وباحث في الدرسات القانونية.