في الحفاظ على الحاضنة

في الحفاظ على الحاضنة
فاروق حجّي مصطفى
يخطئ من يفكر بأن الحاضنة هي الجمهور فقط، فالحاضنة تصنع الجمهور، الفرق بين الحاضنة والجمهور هو ان الجمهور يأتي من خلال موقف سياسي ويروح نتيجة موقف سياسي، أما الحاضنة، فهي الحضن الذي يحمي خلفية الموقف السياسي، فهي المصدر نفسه، فكل موقف سياسي يعكس ضمير الحاضنة، والحاضنة هي من تصدر الموقف وهي من تحرص على توازن الموقف.
أحزابنا السياسية في طيلة فترة تواجدها، فكرت بصناعة الجمهور، لكنها فشلت في الحفاظ على الجمهور واستثماره. الغرض من صناعة الجمهور لدى أحزابنا هو التباهي بالقاعدة الجماهيرية يعني كما لو انه "عرض عضلات" ليس الغرض في انّ صناعة الجمهور هو كما لو أنك تصنع الضغط او ان تستثمر هذا الجمهور لتحقيق هدف سامي هو نفسه هدف الجمهور وتطلعاته.
بيد انّ هذه الأحزاب نفسها لم تمعن بالعمق في أهمية الحاضنة، وكيفية صناعة الحاضنة وتالياً الحفاظ عليها لتكون راعية لهذا الجمهور الذي صنعته الأحزاب ما يعني ان مسؤولية الأحزاب مزدوجة في هذه الناحية، مرة صناعة الجمهور، ومرة صناعة حاضنة الجمهور حتى تستطيع الحفاظ عليه وتالياً تصبح هذه الحاضنة مصدر القوة.
من حسن حظ أحزابنا، انها لم تكلف نفسها طويلاً لصناعة الحاضنة، ولعل السبب انّ اهدافها تختصر في تحقيق تطلعات الكرد، أي انها أحزاب يرتقي هدفها عن هدف الاحزاب بمعناها العام، ففي حين الاحزاب بمعناها العام يعني الوصول الى السلطة او تحقيق مكسب برلماني فإن احزابنا تسعى لتحقيق تطلعات الناس طالما نادوا بالحقوق من هنا فإن الحاضنة كانت مهيئة فقط وكانت تحتاج الى رمز، ولعل أيضا من حسن حظ أحزابنا في كردستان سوريا ان الرمز كان له حضور قبل ولادته، فهناك رموز كردية ضحوا بدمائهم لأجل القضية، ولعل البارزاني الخالد هو الرمز الكبير وهو ما سهل للأحزاب لتكون صاحبة الجمهور من خلال التمسك بهذا الرمز والافادة منه لبلورة صورة القضية والتمسك بها من خلال بلورة القيّم البارزانية والهدف الاسمى للراحل.
في المرحلة الاخيرة من حياة أحزابنا الكرديّة، انزلقت الأحزاب الى متاهة السباق في تمكين نفسها في المكان الذي يحقق لبعض القادة مكاسب، دون الاعارة التامة بأن هذا الهوس نحو مكسب سياسي ورمزي لا يؤثر في اداء الجمهور فحسب انما يؤثر حتى في الحاضنة، فلذلك قلنا لمرات عدة بأن على الاحزاب التفكير بعد هلاك الحاضنة لأجل دور رمزي مؤقت انما هذه الحاضنة هي مصدر الوعي للقضية وايضا مصدرا للحفاظ على الجمهور، لأن هذا الجمهور لم يأت دوره بعد.
بقي القول إن مسألة الجمهور والحاضنة خاصة في مجالنا الحزبي الكرديّ هي جداً مهمة، قد لا تلزم الجمهور في حالتنا هذه أي في مرحلة السلاح انما يلعب الجمهور دورا كبيراً أثناء الاستقرار وزوال مكانة السلاح في حياة المجتمعات، ما يعني ان الجمهور فقط من خلال الحاضنة الراسخة تحقق لك مكسب سياسيّ وتحقق لك فرصة سياسية كبيرة قد لا تحققها في المفاوضات والمداولات السياسية، والسؤال، هل فكرت أحزابنا يوماً كيف عليها ألا تخسر جمهورها؟ للأسف لا!