و للشهداء..نهارهم !

أحمد ديريكي

نحنُ والوطنُ والحربْ عائلة واحدة ..
كانَ تحدياً رهيباً
نرتدي الأسمال في حالة كَسّل
في الحقيقة لم يكُن كسلاً
كان تقشفاً رهيباً ينتظرُ الربيع
جميعُنا في الوطنّ
الخطوط الحمراء بعدد شعرِ رأسي
ضاجعنا خطوطهم الحمراءِ خطاً خطاً
وليُصبحُ الربيع في جيبنا
سُجنّا
عُذبنا
شُنقنا
تشتتنا
وتجاوزنا خطوطهم الحُمر
ثُمَّ
وضعنا الحرب في جيبنا
والفُقر في عقولنا
والتسلُق في نِعالنا
وباتت المقابرُ منازلنا
والصحارى ربيعنا
والخريف هويتنا
والصيف محرقتنا
والجبالُ مشانقنا
والأطفالُ سِلعُنا
ثُمَّ
ثارَ الجيشُ علينا
وجعل رصاصنا طائشاً
وباتت الجسورُ زانيا
والسكاكينُ تُشحذُ على رِقابنا
والبيوت العاهرة تنهارُ فوقَ رؤوس أطفالنا
والنفطُ سُماً رهيباً يفتكُ بنا
والمطارات باتت تتقاذفنا
والحدودُ تُمزقُ أجسادنا بأسلاكها تارةً
وبرصاص حُرّاسهِ تارةً أخرى
والبِحارُ شربت من أجسادنا حتى الثمالى
والمنظمات الحقوقية تشيطنت بنا
والأمم الممزقة تكاتفت علينا

ثُمَّ
جعلوا منا حماليّن لنسائهم
جعلوا منا عُرّاةً للصوصهم
جعلوا منا متسولين لطرقاتهم
جعلوا منا دكاترة لحميرهم
جعلوا منا مهندسين لحماماتهم
جعلوا منا تجاراً لأوساخهم
جعلوا منا عبيداً لعبيدهم
جعلوا منا مدرسين لكلابهم
جعلوا منا مداحين لخيانتهم
جعلوا منا سُجناءً لأقفاصهم

ثُمَّ
بدأت أذاعاتهم وجرائدهم وشاشاتتهم
كعائلة واحدة تقتاتُ على ألآمنا وحزننا ومذابحنا ..
دعوني أخبركُم
نحنُ المُغتربين لم نغادر أوطاننا يوماً
لأننا مغرمون بها حتى الثمالى
بجوعهِ
وفقرهِ
وقلةِ طرقاته
ونُدرةِ العملِ به
وأستحالة العيشِ فيه
نحنُ عُشاقه رُغماً عنا وعنكُم وعنهم ..
مكتوم القيد ...
***
و لعيد العمال سيرة أخرى!

يوّمَ طردي من العمل ..
عُدتُ حافي القدمين
وأخوتي من صنعوا السيارات
عدتُ حاملاً أسمالي
ونحنُ من صنعنا الملابس
عدتُ حزيناً ملولاً كئيباً
ونحنُ من نصنع الجمال والأبتسامة والحياة
كان علينا أن نموت مبكراً
مثل عبدالحليم حافظ وأم كلثوم
لكننا سنموت كأجدادنا
ورائحة العرق تفوح من جثثنا وجنائزنا
هُمّ
فشلوا في سماعنا
في العيشِ معنا
في مداواتنا
في تفريقنا
فشلوا في زرعِ العطور على ملابسنا
فشلوا في صنعِ أبتسامة تُناسبُ وجوّهِنا الشاحِبة
نحنُ المزارعين
وهُمّ يملئون شاحناتهم
نحنُ الصُناّع
وهُمّ يبحرون البحار السبع
أجورُنا بخسة لا تسدُ رمق كلبٍ جائع
لسنا بـ رياضيين رغم عدمِ توَقُفِنا
ولا جائزة لنا سوى قصعةِ خبز جافة
مقاهيهم
مسارحهم
دور السينما
فنادقهم الفخمة
مطاعمهم الفاخرة
جسورهم العالية
سدودهم الضخمة
مُدنهم الأنيقة
شوارعهم الجميلة
حدائقهم المُرتبة
وحتى ملاجئهم ودورات مياههم
من صُنعِ أناملنا المملوكة لجثثنا المتعرقة
ورغم ذالك نحنُ نمشي على أرصفتهم مأجورين
ليس لنا سوى عضلاتنا ومطارقنا
ليس لنا سوى مناجلنا وعرق جبيننا
ليس لنا سوى المرض
والتقشف
والتقاعد
والمستنقعات
والشيخوخة
والطبيعة الجرداء
وبعض المختبرات الطبية الفاسدة لأننا
بأعينهم فئران تجارب ميتة لا محالة ..
ورغمَ ذالك نحنُ أصحاب البشرية
ولكن من لون آخر..!!