في أزمة العلاقة بين المثقف الكردي والسياسي

في أزمة العلاقة بين المثقف الكردي والسياسي
همبرفان كوسه

قديماً كانت الكتابة حكراً على قلة قليلة من الأشخاص، وكانت الكنيسة في أوربا وبلاط السلاطين في الشرق بؤراً لنشاط من كانوا يمارسونها. كانت تلك الميزة تعطي لتلك المراكز إمكانية احتكار تلك الأقلام، و التحكم بها حيثما أرادت، وكان كل متمردٍ يعاقب بالنحر، و الأمثلة التاريخية كثيرة.
تاريخياً كان المثقف المتمرد، ورغم ملاحقة الكنيسة يلعب دوراً طليعياً، وشكلت أفكارهم صيرورة تاريخية ومادة للنقاش حتى أن كتب الكثير من الباحثين أمثال جان جاك روسو قديماً و روبرت دال حديثاً، أصبح أغلبها مواد في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان ودساتير العديد من الدول الديمقراطية. لكن تلك ليست بحال المثقف الكردي في غربي كردستان، الذي أصبح تابعاً بشكل مبتذل للسياسي، الذي هو على الأغلب نصف أمي تحصل على منصبه ليس بسبب كفائته بل لعدة عوامل ليس أقلها حالة الشقاق والتكاثر، التي أبعدت النخب عن الأحزاب وتركت الميدان لكل من هب ودب لاستلام دفة القيادة.

أمام تلك الحالة ولإرضاء هذه القيادي أو ذاك، نجد محاولاتٍ بائسة، من قبل بعض أنصاف المثقفين لتطويع الأقلام في خدمة سياساتهم الحزبية، وممارسة سياسة التهديد و الوعيد و التخوين، لكل من لا يلتزم بخطوطهم الحمراء الخانقة، ليغذوا في النفوس ثقافة القطيع، و يكرسوا عبادة الفرد للذات الإلهية، المتمثلة في شخص الحزب أو زعيمه، كي يتحول الفرد من مخلوقٍ منتجٍ فكرياً إلى مجرد عبدٍ مرتهن، لا يجد للفكاك من أطواق عبوديته سبيلاً، ليتماهى شيئاً فشيئاً مع دوره المتمثل بتقديم فروغ السمع و الطاعة للقائد، واعتبار كل ما يصدر عنه و عن أشباه مثقفيه، مقدساتٍ يجب الإيمان بها، و اعتبار كل من ينتقد ذلك كافراً، مارقاً، خارجاً عن الملة، بحجة المقاومة و التضحية، تلك الحجة التي تعلقها قطعانهم كتعويذة.
بذلك يفقد المثقف كل مبررات وجوده، فمن المفروض على المثقف أن يكون صدىً لمطالب شعبه، وأن يمثل النخبة الداعية للفكاك من قيود، وعبودية المستبد، وكذلك تشكيل حركة ثقافية و نقدية حضارية بعيدة عن التقديس و التأليه.

قد يبدو للبعض أن ارتهان المثقف للسلطة حالة طبيعية نتيجة غياب الوعي الديمقراطي و كذلك طغيان الاستبداد في الكثير من الدول، و بالتالي غياب الأرضية الملائمة للإبداع و انتشار الأفكار و عدم قدرة المثقف على تحدي السلطة، أو التقاليد و الموروث الثقافي السائد، لكنني أخالف ذلك المنحى من الاعتقاد. فالمثقف يجب أن يكون حالة نخبوية تؤثر في الحالة الثقافية و تترك بصمتها، و أن تشكل حالة متقدمة عن الحالة السياسية، بمعناها السلطوي، و الاجتماعي، بمفهوم العادات و التقاليد و الموروث الثقافي بشكل عام.
الحالة في الوسط الثقافي الكردي متأزمة، فالأحزاب الكردية مسيطرة على كافة مفاصل الإعلام المرئي و المسموع، ولا يوجد الكثير من المؤسسات الثقافية المستقلة، و لذلك فإن مثقفي تلك الأحزاب يتصدرون المشهد الثقافي و يعيثون فيه فساداً.

المثقف الكردي، حين ينتمي لحزب أو تيار سياسي، ويصبح صدىً لأفكار ورؤى ذلك الحزب بشكل متطرف، يناقض رسالة المثقف الحقيقي التنويرية الخارجة عن الأطر التقليدية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأحزاب الكردية في سوريا، لأنها محكومة بالتنافر الأيديولوجي، والتضاد غير العقلاني المبني على أسس غير منطقية. بذلك يصبح المثقف صدىً للخلافات السياسية وأداة للتنافر، ويصبح جزءاً من المشكلة، في الوقت الذي من المفروض فيه أن يكون المثقف جزءاً من الحل.