دونالد ترامب رئيساً... ما الجديد؟

دونالد ترامب رئيساً... ما الجديد؟
- أفكار وتصورات أولية –
نشوان الأتاسي*

(1)
في السادس عشر من شهر كانون الثاني/يناير عام 1968 أعلنت الحكومة البريطانية العمالية برئاسة هارولد ويلسون عن قرارها بالانسحاب الكامل من شرق السويس بعد ثلاث سنوات، أي في بداية عام 1971.
(شرق السويس كان مصطلحاً يُقصد به كافة المستعمرات البريطانية الواقعة شرقي قناة السويس).

هاجم حزب المحافظين المعارض هذا القرار وطالب بعدم تنفيذه حفاظاً على هيبة التاج البريطاني وحتى لا تتأثر المصالح العليا للإمبراطورية سلباً بهذا الانسحاب، وشكّل هذا الاعتراض واحداً من شعارات حملته التي سبقت انتخابات مجلس العموم عام 1970، حيث تعهد بإلغاء القرار في حال فوزه بها.
جرت الانتخابات في الثامن عشر من شهر تموز/يوليو، وفاز فيها حزب المحافظين برئاسة إدوارد هيث، حيث تسلم إثرها مقاليد الحكم في البلاد.
وكان أن قام حزب المحافظين نفسه بتنفيذ قرار الانسحاب البريطاني الكامل من شرق السويس، في الموعد ذاته الذي كان حزب العمال قد حدده له – قبل ثلاث سنوات- أي في بداية عام 1971!

***********
(2)
حينما صاغ زبيغنيو بريجنسكي - مستشار الأمن القومي الأميركي خلال فترة حكم الرئيس الديموقراطي السيد جيمي كارتر، وأحد كبار المفكرين الاستراتيجيين في الولايات المتحدة - عمله الملحمي الذي يحمل عنوان "رقعة الشطرنج الكبرى" عام 1997، راسماً من خلاله الاستراتيجيات الكبرى التي يتوجب على الولايات المتحدة الأميركية الأخذ بها، والسياسات التي يتوجب عليها انتهاجها خلال ربع القرن اللاحق لصدور كتابه كي تحافظ على الوضع الذي اكتسبته كقوة عظمى وحيدة على سطح هذا الكوكب في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي - حيث عمد إلى إهداء كتابه هذا إلى طلابه لمتابعة ما بدأه - لم يكن تعنيه في شيء هوية سيد البيت الأبيض خلال الفترات المستهدفة بدراسته، ولا اسم الحزب الذي سيفوز بالأغلبية في الانتخابات التشريعية المتلاحقة التي ستجري لاختيار أعضاء مجلسي الشيوخ والكونغرس.

***********
(3)
على النقيض مما أُثير إعلامياً عن عقيدة "الانكفاء" التي تبناها الرئيس باراك أوباما إبان تقلده السلطة في العشرين من شهر كانون الثاني/يناير عام 2009، والتي استهلها بالانسحاب الأميركي من العراق؛
تشير الوقائع أن قرار الانسحاب هذا، وبالتاريخ المعلن ذاته من قبل إدارة أوباما، كان قد سبق لإدارة الرئيس جورج بوش الابن أن اتخذته من خلال اتفاق أبرمته مع الحكومة العراقية، في الأول من شهر كانون الأول/ديسمبر عام 2008، حول إطار زمني لانسحاب القوات الأميركية من العراق، بحيث يبدأ الانسحاب بتاريخ الثلاثين من شهر حزيران/يونيو من عام 2009، ويستكمل يوم 31 كانون الأول/ديسمبر عام 2011، وقد أُطلق على هذا الإطار/الاتفاق تسمية "اتفاق وضع القوات الأميركية في العراق".
بهذا يمكن القول بثقة أن إدارة الرئيس أوباما لم يكن لها من دور سوى تنفيذ بنود الاتفاق الذي أبرمته إدارة الرئيس بوش الابن مع الحكومة العراقية، مع بعض التعديلات التي اقتضتها المصلحة الأميركية المستجدة خلال الفترة ما بين توقيع الاتفاق والمضي بتنفيذه.
***********
(4)
عمدت إدارة الرئيس جورج بوش الابن إلى التدخل العسكري – المباشر - في العراق عبر الهجوم عليه واجتياحه عام 2003 بحجة حيازته لأسلحة الدمار الشامل، تلك الحجة التي ثبت بطلانها وعدم صحتها؛
وكانت نتيجة ذلك التدخل العسكري – المباشر - أن جرى تدمير العراق وخروجه من الجغرافيا السياسية للمنطقة.

بينما لجأت إدارة الرئيس باراك أوباما إلى عدم التدخل العسكري – المباشر - في سوريا تحت ذريعة الانكفاء عن مسرح الشرق الأوسط، هذه الذريعة التي روجت لها تلك الإدارة لكنها لم تجد مصداقية لها على الأرض، خاصة إثر قيام التحالف الغربي الذي تقوده الإدارة ذاتها، متعللة بمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، حيث قدمت، من خلال قيادتها لقوات التحالف، الدعم اللوجستي والعسكري الأميركي على الأرض، وفي الجو، لأطراف معينة دون غيرها، وحجبت الدعم عن أطراف أخرى، وتغاضت أيضاً، في الوقت ذاته، عن الممارسات السياسية والعسكرية والوحشية لبعض الأطراف، ومن بينها ممارسات النظام السوري بحق السوريين. وفي هذا تناقض واضح مع عقيدة الانكفاء، أملته المصالح الأميركية بوجوب تقديم الدعم، المباشر وغير المباشر، لبقاء نظام الأسد، وبذلك أضحى الهدف الرئيسي المعلن من قبل التحالف في إنهاء تنظيم الدولة الإسلامية، ثانوياً. بل أن رقعة انتشار هذا التنظيم والمساحات التي أصبح يسيطر عليها قد زادت عما كان يسيطر عليه قبيل قيام التحالف ضده.
ويمكن أيضاً، ضمن هذا المنظور، اعتبار التسوية/الصفقة التي جرى إبرامها حول قضية السلاح الكيميائي الذي يمتلكه النظام، مثالاً واضحاً على عدم التزام إدارة أوباما بعقيدة الانكفاء المعلنة، حيث جسّدت تدخلاً، كان مباشراً هذه المرة، لصالح أطراف ضد أطراف أخرى، والتي تمثلت في حالتنا هذه بالشعب السوري الثائر في مواجهة النظام الذي يحكمه، حيث أطلقت يد النظام في إبادة السوريين الثائرين وتدمير حواضرهم بكافة أنواع الأسلحة سواء المسموحة منها أوالمحرمة دولياً، ما عدا الكيميائية.
وقد كانت نتيجة عدم التدخل المباشر "المزعوم" في سوريا هو دمارها وخروجها من جغرافية المنطقة السياسية أيضاً.
لقد غدا واضحاً أن اختلاف تصرف إدارتي بوش الابن وأوباما في كل من العراق وسوريا لم يكن على الأولويات الإستراتيجية، التي لم تتغير مضامينها، إنما كان في الأساليب والمنهجية المتبعة، تلك التي تغيرت تماشياً مع خصوصية وظروف كل من الحالتين، العراقية والسورية، وضرورات التوصل إلى النتيجة المطلوبة في كلا البلدين.

***********
(5)
تأسيساً على مجمل ما سبق، يمكن القول - من منطلق المصالح الإستراتيجية العليا للدول - وتالياً السياسات العامة المتبعة من قبلها في تحقيق تلك المصالح وضمان استمرارها، أن الخطوط العريضة لسياساتها لا تتغير بتغير قياداتها أو بتبدل زعاماتها الحاكمة، ويُعتبر من شبه المؤكد أن عهد السيد دونالد ترامب سوف لن يمثّل خروجاً على تلك الثوابت.
قد تتغير وتتبدل أساليب ممارسة العمل السياسي في عهده، لكنها ستبقى محصورة بالإطار العام الذي وضعته المؤسسة الحاكمة، أي الـ "Establishment"، وذلك بمعزل عن طروحات حملته الانتخابية وما ورد فيها من "دعابات" كقضية الجدار العازل مع المكسيك وتحميل الدول التي تتواجد فيها قواعد عسكرية أميركية نفقات تلك القواعد، وما إلى ذلك من بالونات انتخابية سرعان ما تتبخر على واقع ممارسته الفعلية للسلطة، وغالباً ما سينساها الناخب الأميركي أيضاً، ولنا في الوعود التي أطلقها سلفه الرئيس أوباما خلال حملتيه الانتخابيتين أقرب مثال.

**********
(6)
بيد أن أهم ما سيميز ولاية ترامب الرئاسية، على ما يرشح من طروحاته، هو الوضوح في طرح السياسات وإظهارها إلى العلن، والتخلي عن أسلوب "النفاق" الذي ميز فترة حكم أوباما، حيث كانت الشعارات المطروحة تتناقض مع الممارسات السياسية الفعلية للإدارة.
من أمثلة ذلك النفاق السياسي لإدارة أوباما هو محاولة الإيحاء بوجود توتر في العلاقات الأميركية/الروسية، خاصة فيما يتعلق بمسارات الأزمة السورية، بينما كان الواقع يشي بوجود درجات عالية من التوافق بين الطرفين، حتى وصل الأمر إلى حد التنسيق العملياتي على الأرض وفي الجو، بحيث لم يسجل أي خطأ "فردي" تخلل الغارات الجوية لطائرات التحالف الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة، بوجود الطيران الروسي وطيران نظام الأسد، والطيران الإسرائيلي أيضاً، حتى بات التكهن ممكناً في احتمال وجود غرفة عمليات واحدة تنظم وتقود الطلعات الجوية لكافة أسلحة الطيران العاملة في الأجواء السورية.
حتى على الأرض، لم يسجل أي اشتباك ولا قصف جوي بالخطأ من قبل أي جهة من هذه الجهات لأهداف عائدة لطرف آخر من تلك الأطراف!
بينما نجد السيد ترامب يصرح برغبته "في تحسين العلاقات الأميركية-الروسية"، كما يبدي إعجابه بشخصية الرئيس بوتين وبسياساته. بكلمات أخرى: إنه يعد بإخراج السياسات الأميركية المتبعة خلال فترة حكم الرئيس أوباما إلى العلن، بعد أن كانت تُمارس فعلياً في السر خلال عهد سلفه.
الأمر نفسه ينسحب على طروحات السيد ترامب لحل الأزمة السورية حيث يُعرب، دون مواربة، عن وجوب بقاء نظام الأسد في الحكم، وهو الشيء الذي كانت إدارة الرئيس أوباما تمارسه فعلياً على أرض الواقع، بالتنسيق مع الروس، إنما من وراء الستار.
إذ في الوقت الذي كانت فيه إدارة أوباما تهاجم الأسد وتطالبه بالتنحي، كانت تنشط لإجهاض كل حركات المعارضة السياسية والعسكرية له، حيث اعتمدت سياسة دعم المعارضة - في العلن - وبادرت إلى عقد مؤتمرات "أصدقاء الشعب السوري" المعادية إعلامياً لنظام الأسد، لكنها كانت تسعى عملياً من خلال سياساتها تلك إلى احتواء المعارضة وشرذمتها وتفتيتها لصالح بقاء النظام. وقد كان الأسد نفسه أول العارفين بحقيقة الموقف الأميركي هذا، الأمر الذي شجعه على ضرب كافة "التهديدات" الأميركية له على مدار السنوات الست الأخيرة، بعرض الحائط.

**********
(7)
فيما يتعلق بالموقف من إيران، فالسياسة الأميركية تجاهها قديمة قدم استيلاء نظام الملالي على الثورة الإيرانية عام 1979. إذ رغم وصف الأميركيين للإيرانيين بـ "محور الشر" ونعت الإيرانيين للأميركيين بـ "الشيطان الأكبر"، فقد شكلت العلاقة بينهما "مثالا" يُحتذى في الاحترام المتبادل للمصالح الحيوية للطرفين. ونعتقد أن الأدوار التي لعبتها الولايات المتحدة الأميركية في تسهيل إسقاط نظام الشاه لصالح تولي الملالي الحكم، وفضيحة "إيران غيت" أو "إيران كونترا" خلال الحرب العراقية/الإيرانية، والدور الأميركي في تسليم العراق إلى السيطرة الإيرانية المطلقة، ما زالت ماثلة في أذهان المتابعين للعلاقة الملتبسة بين الطرفين، رغم الضجيج الإعلامي المفعم بالعداء من قبل هذا الطرف أو ذاك تجاه الطرف الآخر.
بعد التطور، غير المفاجئ، في العلاقة بين الطرفين والذي تمثل بتوقيع الاتفاق النووي بين مجموعة (5+1) وإيران، يبدو مستبعداً حصول انقلاب فعلي في السياسة الأميركية، كذلك الذي يعد به السيد ترامب، نظراً للتبعات الدولية الخطيرة التي سينجم عنها انقلاب كهذا، وأيضاً لعدم وجود مصلحة أميركية عليا في الانقلاب على الاتفاق.
كل ما تشي به الانعكاسات السياسية لتصريحات السيد ترامب هو أنه سينحو في هذه المسألة منحى السياسات الأميركية التقليدية تجاه إيران، وبتعبير أدق، سينتهج تجاهها سياسة النفاق والخداع الكلاسيكية التي اتبعها أسلافه من الرؤساء تجاهها.

***********
(8)
من المستبعد أن تقدم الولايات المتحدة على إحداث تغييرات جذرية في خرائط سايكس - بيكو، فهذا لا يبدو واحداً من أهدافها، مرحلياً على الأقل، لكن هذا لن يمنع قيامها بالاستفادة من الأوضاع الجيو - سياسية القائمة والمستجدة، ومن التركيبات الديموغرافية المعقدة لدول المنطقة، في خلق أوضاع مستحدثة كممارسة بعض التغييرات الديموغرافية كي تتلاءم مع مصالحها على المدى المتوسط، الأمر الذي بدأ يأخذ طريقه إلى التنفيذ على امتداد ساحة منطقة شرق المتوسط عبر مختلف الأطراف ذات الولاءات المتعددة والإيديولوجيات المتنافرة، لكن مجمل ممارساتها، رغم خلافاتها وصراعاتها البينية، تصب في خدمة مشروع الفوضى الخلاقة الذي بشرت به السيدة كوندوليزا رايس، وصولاً إلى صياغة "شرق أوسط جديد".

***********
(9)
الثابت في السياسات الأميركية المتبعة في منطقة الشرق الأوسط من قبل كافة الإدارات المتعاقبة، هما أمران؛ الأمر الأول هو ضمان أمن دولة إسرائيل وتفوقها العسكري والاستراتيجي على كافة الدول العربية مجتمعة، والثاني هو ضمان استمرار تدفق النفط؛
ومن المستبعد أن يجري عليهما تغيير يذكر خلال فترة حكم السيد ترامب، خاصة في حال عدم وجود أطراف في المنطقة، أو خارجها، قد تفكر أو ترغب، في خلق تهديدات جدية لهذين الأمرين.
قد تتغير أساليب تنفيذ السياسات الهادفة إلى الحفاظ على استمرار هاتين القضيتين المحوريتين، لكنهما ستظلان تشكلان المنحى الاستراتيجي في تعامل الأميركيين مع منطقة الشرق الأوسط وأزماتها المتعددة، والمتلاحقة.

أما فيما يتعلق بدول الخليج النفطية، فمن نافلة الحديث القول أن بقاءها وبقاء أنظمتها الحاكمة مرهون إلى حد بعيد في التزامها بما تقرره واشنطن، وفي سيرها بمقتضاه، ولذلك ليس من المتصور حدوث تغيرات دراماتيكية في أوضاعها الجيوبوليتيكية الحالية خلال فترة حكم السيد ترامب، طالما ظلت وفية لمصالحها المرتبطة بالمصالح الأميركية، والأمر نفسه ينسحب على دول الشمال الإفريقي العربية.

***********
(10)
من الملاحظ أن القضية الفلسطينية ومسألة الصراع العربي/الإسرائيلي قد تراجعتا بدرجة كبيرة في سلم أولويات أميركا والعرب معاً ولم تعد هاتان القضيتان تستأثران باهتمامهما وسط الحرائق المشتعلة في الشرق الأوسط، ولهذا فمن المتوقع أن يستمر الإسرائيليون في خططهم بإقرار "يهودية" دولتهم، التي لا تجد عليها اعتراضاً جدياً من كافة الأطراف، وبهذا تعود القضية الفلسطينية إلى عهدها السابق لقيام منظمة التحرير الفلسطينية - أي مسألة لاجئين - يتوجب العمل على توطينهم في أماكن تواجدهم في الشتات، ولعل لهذا الأمر علاقة، بطريقة أو بأخرى، بالوقائع الديموغرافية المستجدة في سوريا والعراق، تلك الوقائع التي تعمل على تكريسها أطراف عدة، لا يبدو أن الولايات المتحدة بعيدة فعلياً عن التأثير بها وعليها.

***********
(11)
يبقى أخيراً، وليس آخراً، أن السيد ترامب، القادم إلى سدة الرئاسة من عالم المال والأعمال، يعرف أكثر من غيره الأرقام الفلكية للاستثمارات الصينية في أميركا - خاصة في قطاع سندات الخزينة - والتي تبلغ حوالي تريليون ونصف تريليون من الدولارات، وهو بالتأكيد على اطلاع بحجم الاستثمارات الأميركية في الصين، التي تصل إلى حوالي أربع مئة مليار دولار، كذلك فإنه يعلم علم اليقين أن الصين هي ثاني أكبر شريك تجاري لبلاده.
على هذا فهو يدرك جيداً أن العلاقة البينية الأميركية/الصينية تأخذ مجراها وأبعادها من وول ستريت في نيويورك والمحكمة الشعبية العليا في شنغهاي، لا من بحر الصين.
• مؤرخ سوري