مسودة الدستور الروسي

مسودة الدستور الروسي:
الدستور لا يمكن أن يُناقش أو يُصاغ تحت حمم النيران
القاضي رياض علي*
تتالت في الآونة الأخيرة الانتقادات والتصريحات حول مشروع الدستور السوري الذي تم طرحه من قبل الروس على السوريين المُجتعين في الاستانة، ويبدو ان الروس تعمدوا من طرحه توجيه الأنظار الى فقاعة الدستور لتمرير أجنداتها في سورية، والتي لم تعد خافية على أحد، اذ حاول الدب الروسي الظهور بمظهر الحريص على مصالح السوريين، في حين انه شارك في قتلهم وتشريدهم بقدر لا يقل عن القدر الذي فعله النظام السوري وايران والميليشيات التابعة لهما، أو ربَّما بقدر أكبر لانه الطرف الأقوى في الصراع السوري ولولا تدخله واحراقه للمدن السورية التي وقفت في وجه النظام لما بقي الأخير في السلطة الشكلية الى هذ اللحظة، وهذا ما أكده وزير الخارجية الروسي منذ أيام، اذاً روسيا حاولت ان تمثل دور الطرف الراعي للسلام والباحث عن طوق النجاة للسوريين، فأقحمت مسودة الدستور في مفاوضات لا تمتْ للدستور بصلة، بغرض فرض أمرٍ واقع على السوريين، فالغاية من الاستانة كانت وقف اطلاق النار وتثبيته، لا الذهاب الى فخ الدستور قبل التوصل لاتفاق سياسي يمهد للانتقال السلمي للسلطة والبحث بمصير الأسد والميليشات الأجنبية التي غزت سورية من كل حدب وصوب، وتشكيل حكومة تقود المرحلة الانتقالية، أي انها ترغب في دفع السوريون الى التناحر والاحتراب على جلد الدب قبل اصطياده وسلخه.
ليس من الحكمة ان يخوض السوريون في تفاصيل هذه المسودة، لأن الدستور يتم وضعه من قبل الشعب الذي سيكون معنياً به، لا من قبل دولة اُخرى، وثمة طرق وقواعد لوضع الدساتير وصياغتها متفق عليها في الفقه القانوني الدستوري في العالم، (ديمقراطية وغير ديمقراطية) لانرى من المناسب الخوض فيها في هذا المقال، ولكن فقط نود القول بانه ليس من صلاحيات او مهام أي دولة ان تقوم بوضع دستور دولة اخرى، لان هذا التصرف هو شكل من أشكال انتهاك مبدأ سيادة الدولة، وهو مبدأ يتمتع بالقداسة في القانون الدولي، كما انه شكل من أشكال الاحتلال بل انه في الحالة السورية يشكل تكريساً للاحتلال الواقعي الذي تمارسه روسيا على السوريين.
وان كان البعض يحاول ان يمرِّر هذا الدستور ويلمِّع صورة الروس ويضرب لنا الدستور الذي فرضه بول بريمر على العراقيين مثلاً، فاننا نقول بانه ثمة خلاف بين الحالة السورية والحالة العراقية، لأن الولايات المتحدة الامريكية وعلى الرغم من تحفظنا على دخولها للعراق بشكل يخالف قواعد القانون الدولي، ساعدت العراقيين في التخلص من نظام دكتاتوري وُسِمتْ العراق في عهده بجمهورية الرعب، أما في الحالة السورية فان الدب الروسي على العكس من ذلك قدِمَ الى سورية ليساعد النظام الدكتاتوري على قتل ما تبقى من الشعب بهدف الاحتفاظ بالسلطة، ومع ذلك فان قيام الولايات المتحدة بوضع دستور للعراق هو أمر غير مقبول قانوناً ويشكل استثناءً على القاعدة، وبالتالي لايجوز لنا ان نستند على الاستثناء لتبرير خرق القواعد العامة، طبقا للقاعدة الفقهية التي تقول: ما جرى على خلاف القياس فغيره عليه لا يقاس.
ان ما يهم السوريين في هذه المرحلة هو ايقاف شلال الدم وعدم تفتيتت بلدهم الى امارات ودويلات متناحرة، لا وضع دستور منمَّق لن يبقى الا حبيس قاعة الاستانة، فالدستور سيتم وضعه من قبل السوريين أنفسهم بعد الانتهاء من الحقبة السوداء التي خيمت علىيهم لعقود عجاف، سيتم وضعه عندما يكون السوريون غير مسلوبي الارادة، آمنين في ديارهم، عندما تاخذ القوى الدولية والاقليمية حصتها من دمائنا وتنصرف.
وعلى الرغم من وجود الكثير من الهفوات والزلات في مسودة هذا الدستور، والتي باعتقادي أُدرجت عمداً من قبل الروس، بقصد لفت الانظار عن الغاية الاساسية للمفاوضات، وبقصد ارضاء مكونات الشعب السوري من جهة واثارة حفيظتها من جهة اخرى، بغرض دفعهم للاحتراب والتناحر كما قلنا آنفاً، لذلك فاننا لن نقع في الفخ المنصوب ولن نضيع وقت القارئ بالاغراق في تفاصيل متن هذه المسودة طالما انها غير مقبولة من حيث الشكل القانوني، طبقاً للقاعدة القانونية التي تقول بانه اذا ارتأت المحكمة ان الدعوى غير مقبولة شكلاً فيجب عليها عدم الخوض في موضوعها.
وقد أفلحت المعارضة المتمثلة بالهيئة العليا للتفاوض، بالاعلان عن عدم قبولها التباحث في مسودة الدستور الروسي في مفاوضات جنيف المزمع عقدها في العشرين من هذا الشهر، لأن التطرق لمثل هكذا مواضيع جانبية سيكون مضيعة للوقت الذي يمر على حساب دماء ودموع السوريين، فالدستور لا يمكن ان يُناقش ويُصاغ تحت حمم النيران التي تهبط على السوريين ولا سيما المدنيين منهم.
*دبلوم في القانون الدولي
04/02/2017