سنة تمضي .. وأخرى تمضي

سنة تمضي .. وأخرى تمضي
ميديا حسن
كما عادتها في الحياة ، راحلة ولم نكن نرَ فيها إلا ذيل ثوبها المتلاشي ، آخذة معها الأحلام لتمنحها للسنة الآتية ، ونحن نزداد انتظاراً في انتظار .
سنة أخرى تأتي بنفس الملامح أو أكثر ، لم ترفع لنا راية إنتهاء الحروب ، لم ترفع لنا سوى رايات الامنيات نفسها ، لا أحد يدري ماذا سيحدث ، متى ، أين ..
مرة أخرى تتمزق ملامح العالم عامةً والشرق خاصة ً ، لا شيء يراهن على انتهاء هذه الأزمة ، وزوال الحروب ، لا شيء يراهن على يقينية العودة إلى أرضنا ، يزداد اعداد اللاجئين أكثر من أي سنة ، حالمين بطقوس آمنة ، تشبه الحياة تحت سقف الوطن ، حالمين بالاستقرار المدفون ، المنتهي فينا ، لم نلمح سوى سعادة هاربة أمامنا تلوح يدها وتختفي ، تخشى الرجوع مجدداً ، كما الثورات التي أعلنت بنظراتها الحياة الخالية من الظلم والاستبداد من الانظمة الفاشية ، لكنها سلبت منّا أرض الوطن وسلبت منّا روح الثورة ذاتها ، الثورات لم تك سوى أدوات جارحة لجغرافية أرواحنا ، فككت الأمان الذي زُرع في سنوات ، وهدمت نفسها أولاً وهدمتنا مع المدن ثانياً .
تتبدد السنون ونحن أيضاً ، ننتقل من عام إلى آخر مليء بالتطور والتكنولوجيا الحديثة ، التي ابتكرت لنا أشياء لا تخطر على البال ، حققت لنا أشياء أعتقدناها من المستحيل ، لكن بتقدمها ندخل للحروب أكثر ، نُقتل أكثر ، ونُظلم أكثر . تستمر حياتنا على آبار الدم ، وأعداد الضحايا ، وقوائم المفقودين ، و مئات الآلاف الذين قطعوا حدود غير شرعية ، كل سنة ونحن نعود ألف سنة للوراء ، لطالما الأحاسيس تقتلنا وتقتل أولادنا وتقتل أحلامنا ، بلا جدوى ، هاربين من نوافذ الموت رامين بأنفسنا في بحيرة عميقة ، كم من المرات تركنا ثوب الكرامة ونحن مطأطئ الرأس أمام الناس لا لشيء وإنما لأننا يتامى الوطن ، الحالمون بلقمة العيش قبل العيش نفسها ، وقبل الحياة ذاتها ، هاربين إلى البلدان الآمنة ، مستفيقين كل يوم على قذيفة من بلد جديد ، قذيفة طائفية فجرت معالم التآخي من جديد .
هنا العراق فقدت حضاراتها وهناك مصر ، وها هي سورية مصابة بسرطان الأعداء ، كل يوم تخسر من أعضاء جسدها نازفة لا تدرك من يأخذها ، ولِمَ يأخذونها ، يريدون إطفاء نار الحرب على مدى ست سنوات بِهدنة لا تنطفئ .
كيف لهم بإعادة ترميم الوطن ؟ والأرواح والمدن ؟ كيف لهم بإعادة هيكل الإنسان ؟ هذا الإنسان الذي كأنه يستمتع بالحرب أكثر من أي شيء آخر .. السنين تمضي ، وأعينان تبقى حالمة بأنفاس الوطن .