معترك إنتخابي في فرنسا أطاح برئيسين معاً

معترك إنتخابي في فرنسا أطاح برئيسين معاً
الدكتور محمد حسن
كان إعلان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند يوم الخميس 1/12/2016 عن عدم ترشحه لولاية رئاسية ثانية في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، المقرر إجرائها في شهر أيار من العام القادم، بنظر الكثير من الفرنسيين كعاصفة رعدية سياسية ضربت الحياة السياسية في البلاد.
دون دشك إن هذه الخطوة تُعتبر سابقة سياسية منذ بدء عهد الجمهورية الخامسة حيثُ عادة ما يُرشح الرئيس المنتهية ولايته نفسه بشكل اوتوماتيكي لولاية ثانية أو حتى ثالثة لأنّ الدستور الفرنسي لا يُحدد عدد ولايات الرئيس كما في أمريكا حيث يحق للرئيس ولايتين فقط. ما لفت الانتباه في انتخابات هذه المرة أن هولاند هو أول رئيس فرنسي يعلن دون تردد عن عدم ترشحه لولاية ثانية خاصة أنه ما زال في السلطة ما دفع ببعض المسؤولين الفرنسيين للقول واصفين موقف فرانسوا بأنه "موقف رجل دولة"
ولكن ماذا حصل؟
ما حصل في فرنسا هو أن الرئيس هولاند امتاز بالشجاعة الكافية لمواجهة حقائق الأمور والتصرف بمسؤولية تجاه القضايا الهامة التي تشغل الرأي العام في بلاده. فاستطلاعات الرأي، التي على الأرحج تُعبر عن رأي غالبية الفرنسيين، لم تكن في صالحه. فحسب هذه الاستطلاعات هولاند هو الرئيس الفرنسي الأقل شعبية في عهد الجمهورية الخامسة، فضلاً عن أنه يتلكأ في انتصاره على الاٍرهاب والقضاء عليه في داخل فرنسا (أضعف الايمان). كما أنه لم يستطيع إيجاد حل لمشكلة البطالة التي تعهد بتقليل نسبتها إلى أدنى المستويات وذلك ضمن سلسلة الوعود التي أطلقها خلال برنامجه الانتخابي في معرض حملته الانتخابية 2012 و التي أوصلته إلى سدة الحكم. ففرنسا اليوم زاد فيها عدد العاطلين عن العمل بمليونين عما كان عليه العدد عند بدء هولاند بمهامه الرئاسية في 2012.
أمام هذه المعطيات وبالاضافة الى إظهار الكثير من شخصيات وأحزاب اليسار الفرنسي، وعلى رأسهم رئيس الوزاراء الحالي مانويل فالس، رغبتهم بالترشح للانتخابات التمهيدية لأحزاب اليسار كل هذا يبدو كان دافعاً رئيسياً لدى الرئيس هولاند إلى التفكير بعقلانية وموازنة الأمور فوجد بالنهاية أن ترشحه لولاية ثانية لن يساعد على رص الصفوف ولن يجمع من حوله ، على الأقل فيما يخص اليسار الفرنسي، من حشد ما يمكنه من مواجهة اليمين و اليمين المتطرف المتمثل ب مارين لوبين. كما أنه وجد بأن المصلحة العليا للبلاد تستدعي منه بأن لا يترشح مرة أخرى لرئاسة الجمهورية وهذا ما دفعه إلى الاكتفاء بولاية واحدة وعدم خوض غمار الانتخابات لولاية ثانية قد يكون الفشل فيها تهديدا حقيقيا لثوابت ومبادئ وقيم الجمهورية الفرنسية.
من ناحية أخرى، وقبل أقل من أسبوعين خسر الرئيس الفرنسي السابق نيكولا سركوزي، للفترة ما بين (٢٠٠٧-٢٠١٢)، الانتخابات التمهيدية لأحزاب اليمين والوسط في دورها الأول واعترف بإنهزامه في هذه الانتخابات وقال" يبدو أنني لم استطع إقناع الفرنسيين ببرنامجي الانتخابي"، وهنأ الفائزين وأظهر دعمه لأحد منافسيه في الجولة الأولى وهو رئيس الوازراء في عهده فرانسوا فيو. ولم يكتفي الرئيس ساركوزي بهذا وإنما أعلن أنه سيبتعد عن السياسة وأن اهتمامه وتوجهاته ستكون لحياته الخاصة مع عائلته.
ولا نستغرب أنّه وبالرغم من خسارته في الانتخابات لكن تنظيم انتخابات تمهيدية داخل الحزب الواحد أو حتى داخل الكتلة الواحدة وتقبل نتائجها أيا كانت فإنّ الديمقراطية الفرنسية هي التي فازت بالنهاية. فلم يُعارض الرجل تنظيم هكذا انتخابات وذلك باعتباره رئيس سابق للحزب ورئيس سابق لفرنسا بل بالعكس قبل بالمواجهة وتحمل النتائج.
ما هو الملفت أو مثير للانتباه هو أنه في أقل من أسبوعين تخسر الانتخابات الفرنسية رئيسين سابقين وتخرجهما من السباق الرئاسي دون إراقة دماء أو تنازلات مشبوهة أو قذارات سياسية ودون أن تحدث على الأقل أي ضجّة. إن تحليل هكذا مواقف يبين لنا أنه بالرغم من حب القيادة وتملك السلطة إلا أن المصلحة العليا للبلاد لها المكانة الأولى في وجدان وعقول الساسة في الغرب.
بقي القول أنه رغم أننا لا نستطيع إجراء المقارنة التامة في موضوع ممارسة السلطة ومستوى الوعي والديمقراطية بين الشرق الأوسط والغرب لكن التصرف بهذه الروح من المسؤولية والاستفادة من مواقف ساسة الغرب فيما يخص ممارسة السلطة هو ما أحوج إليه منطقتنا سواء على سبيل الأحزاب او رؤساء الأحزاب أو الحكومات أو الدول في الشرق الأوسط. هذا ما يجب العمل عليه من الآن بدلا من التضحية بشعب كامل من أجل منصب أو التضحية بمستقبل أجيال أو قضية بكاملها من أجل بعض الامتيازات.
السلطة مغرية نعم ولكن لابد أن يكون حب الوطن والمصلحة العليا للبلاد الأكثر إغراء وفوق أي اعتبار.
هولير 2/12/2016