في جدارنا الزرقاء: نتعارك وننسى الأهم!

2016-10-29

في جدارنا الزرقاء: نتعارك وننسى الأهم!
رياض علي
لم يعد مستحيلاً على أحد التأكد من صحة أو عدم صحة الخبر الذي تتناوله وسائل الإعلام الكردية العديدة ، وخصوصاً حين يختلف تناول ذات الخبر بين وسيلة إعلاميّة وأخرى ، فصفحات الفيسبوك باتت كفيلة بأن تنقل الخبر بشكل أسرع ، بحيث يصل إلى المتابعين قبل فترات نشرات الأخبار ، أو حتى قبل ظهور شريط "العاجل" على شاشة التلفزيون ، ولكن ما لا ندركها وتقع في ذات الخطأ ، وخصوصاً حين يُقحم كاتب المنشور أنفه فيما لا يعنيه ، ويكتب الخبر حسب توجّهه الثوري أو الحزبي والسياسي .. وسرعان ما يطغى مزاجيته التي ربما تتعكّر لأبسط الأسباب ، فينشر وهو غاضب ، و أحياناً ينشر وهو سعيد ، فإنْ كان غاضباً أفرغ جام غضبه في "البوست" وعلى طريقة الدفاع خير وسيلة للهجوم يبدأ بمحاربة ألدّ أعدائه ، أما إن كان سعيداً فسوف يكتب وهو ينادي إلى وحدة الصف الكُردي ، ولا نستغرب يدفن حقده الحزبيّ أيضاً بين كلماته .
وعلى سبيل مثل ولا حصر فانه وما أن بدأت معركة الموصل في العراق ، حتى تحوّل من لا عمل لهم إلى محللين سياسيين وإعلاميين وناشري أخبار ومقاطع فيديو مستغليين بطولات قوّات البيشمركة وحماستها، طبعاً هذا شيء جميل وذو قيمة ، ولعل تعرج هؤلاء إلى صور بيشمركة لسبب انّ لقوات بيشمركة إقليم كُردستان قدسيّة لدى الكُرد في أجزائهم الأربعة. حتى أحياناً انّ هؤلاء ينسون بأن "روجآفا" في خطر، وحريقٌ كبيرٌ قادمٌ ليحرق المنطقة عن بكرة أبيها .
عفرين هي إحدى المناطق الهامة من حيث الموقع الجغرافي والاقتصادي ، و تُعتبر من إحدى المدن الكُردية المتنوعة سياسياً واجتماعياً ، وعليه فإن تواجد حزب الاتحاد الديمقراطي فيها ، وسيطرته الكاملة على مداخل و مخارج المدينة ، أدى إلى حالة احتقان شعبي غير مُعلنة ، فما كان إلا وتحولت هذه الصفحات الزرقاء إلى حلّ شافٍ لتنفيس تراكميّات الكُره والحقد الكُردي - الكُردي .
بيد انّ إدارة "الفيسبوك" لم ولن تستطع حل هذه المشكلة الكُردية في "روجآفا" ، فكلما زادت صفحات ومجموعات الفيسبوك ، ازداد الاحتقان بين تيارات القوى الكُرديّة ، وربما الاحتقان هذه المرة هو افتراضي ، و بالتالي فإن التنفيس عنه افتراضيٌّ أيضاً .
منذ أيام تمّ الاعلان عن إشراك قوات "الكريلا" التابعة لحزب العمال الكُردستان في معركة الموصل ، وحول ذلك قيل بأن قوات حماية "شنغال" التابعة "للكريلا" هي التي ستقف مع الحشد الشعبي في العراق لمحابة تنظيم "داعش" ..
هذا الخبر كان كفيلاً بأن تشتعل الحرب على جبهات صفحات الفيسبوك الخاصة بأكراد "روجآفا" بين مناصريّ رئيس إقليم كردستان السيّد مسعود برزاني من جهة ، وأنصار زعيم حزب العمال الكردستاني السيّد عبد الله أوجلان من جهة أخرى ، فقامت الحرب الافتراضية قبل أن يبدأ قتال "داعش" على الأرض فعلياً ، وخلع الجميع أثوابهم الثورية ، و لبسوا اللباس الرسمي الحزبي من جديد ، ومنهم من أعلن نهاية الحرب و نشر نتائج المعركة ..!
وحول هذا الموضوع حاوركاتب الأسطر إحدى الزميلات الصحفيات ، وقالت الزميلة" أنا عملت خمسة عشر عاماً في الصحافة المكتوبة في مدينة حلب ، وعلى الرغم من قمع واستبداد النظام السوري للشعبين العربي و الكُردي في سوريا ، إلا أنني كُنت بين الفينة والأخرى أتردّد على التجمّعات الأدبية والثقافية الكُردية ، وكنت أحياناً أزور مع أصدقائي اجتماعاتهم الحزبية ، والآن وبعد كل هذه السنين أرى بأن الحقد الحزبوي في المجتمع الكُردي السياسي لا يزال قائماً منذ ذلك الحين لغاية اليوم ، بل إنه اليوم أشد خطورة من ذي قبل ، وستكون نتائجه على الجيل القادم كارثية"
وتابعت الزميلة - وهي كُردية نشيطة -: " لكل مشكلة أسبابها ، وعلينا أن نعرف سبب تفاقم هذه المشكلة ، فالكره بين البرزانييّن والأوجلانييّن شيء سلبي ، وفي نفس الوقت هو نتيجة حتميّة لتنافر القيادات السياسية فيما بينها ، فعندما تنظر هذه القيادات لبعضها البعض نظرة احترام وتقدير ويتقبّلون بعضهم ، فمن الطبيعي بأن الأعضاء المنتسبين سواء للأحزاب أو للمجموعات الفيسبوكية سيقتدون بالقدوة ، وسوف يتعلمون الاحترام من أمناء أحزابهم وقياداتهم ، أما النقظة الثانية فهي تصرفات أسايش الإدارة الذاتية وسوء التوجيه من قبل قيادات الاتحاد الديمقراطي في عفرين وقامشلو وكوباني ، ولكل ما سبق نتيجة ، فإما أن تكون الهجرة ؛ أوستنقلب إلى حقد وكره ، فاليوم أغلب الشعب الكردي في روجآفا يحترمون البرزاني كعائلة مناضلة لها تاريخ وهي مكان احترام من قِبل الجميع ، ولكن الأوجلانيون الجدد في روجآفا لم يتركوا مكاناً للحب"
دون شك أن هذا العالم الافتراضي الأزرق ، يجعلك تلتقي بشخصيات افتراضية ولكنهم يختلفون عنه بأنهم قادرون على أن يغيّروا ألوانهم ؛ و بسرعة ، فعلى الرغم من سوداويّة المشهد ، و ضبابية الأحداث ، إلا أن مروّجو هذه الصفحات يزيدون الطين بلّة وخصوصاً مع انعدام أدنى مستويات الحوار والاحترام ، ذلك الاحترام الذي سبقهم وضرب به سياسيّو "روجآفا" عرض الحائط.
بقي القول أنه تمّ إنشاء صفحات كُردية تتكفل بإرشاد الأجيال القادمة للتخلص من هذا "المرض السرطاني" الذي يسمّى "الحزبويّة" أو التبعيّة ، و بمشاركة كوادر علميّة وثقافية قادرة على صقل شخصية هذا الجيل الذي ضاع مع بداية الثورة ومات نصفه مع اندلاع الحرب ، وهاجر المتبقي بسبب قمع واستبداد النظامين السوري والكُردي في "روجآفا" ؛ لكانوا قد بدؤوا بحل هذا الخلاف الحاصل بين أبناء البلد ، و لكن أن يقوم به أشخاص غير قادرين على إدارة هذه الكارثة الاجتماعية ، لهي كارثة جديدة .. و ربما أكبر وأعمق .