ملحمة عيون الشهيد حجي علي عيسى

ملحمة عيون الشهيد حجي علي عيسى
صالح بوزان
كثيراً ما حاول الأدباء والفنانون اختزال حالات إنسانية مكثفة في نص ما أو في قصيدة شعر، أو لوحة فنية أو مقطع موسيقي. لقد نجح العديدون منهم عبر التاريخ في هذا الاختزال. وكلما كان الاختزال يتضمن صوراً بشرية أكثر كثافة كلما ارتقى هذا العمل الفني إلى مستوى أعلى من الابداع. لكن هناك حالات من هذا الابداع يتم في الحياة دون أن يكون مُنتجها أديباً أو فناناً او زعيماً سياسياً. إنه من أمثال الشهيد حجي علي عيسى في تلك الوقفة المهيبة أمام الموت الذي فرض عليه عدو لا مشكلة شخصية بينهما. حين تأملت وقفته هذه وحاولت قراءة ما تقوله عيناه انهارت في ذاكرتي كل الابداعات الفنية التي قرأتها وشاهدتها في حياتي. هذا الشاب الذي دون العشرين من عمره قدم لنا ابداعاً حياً نادراً في تجسيد حالة التمرد التي تجاوزت كل الابداعات الأدبية. كل شيء في وجهه كان يتكلم، كان يعّبر، كان يكتب رسائل لمن يتقن قراءتها.
قرأت في حياتي كلمات عظيمة لساسة ولمفكرين قبل الإعدام. لكن أكثر المواقف والكلمات التي بقيت خالدة في ذهني هي حالات الناس البسطاء في ظرف عجز الكلام التعبير عنها. استحضرت في ذاكرتي قصة قديمة قرأتها قبل أربعين سنة. لا أتذكر تفاصيلها ولكن مضمونها كان كالتالي: يحكى أن تيمورلنك عندما دخل إلى باكو (أذربيجان) وأقام المآذن من جماجم الذين قتلهم. جمع يوماً في ساحة المدينة جمع من الناس ليتمتع بقتلهم. كان جالساً على عرشه في الساحة ويستدعي الناس فراداً ويسألهم: أنا تيمورلنك كم أساوي؟ ومهما أجاب السائل ورفع من ثمنه، كان يقول له: فقط هذا المبلغ؟ ثم يأمر بقط رأسه. استدعى رجلاً عجوزاً وسأله السؤال نفسه. فقال له العجوز أن تساوي خمس دراهم. فتعجب تيمورلنك، وقال له بغضب: نطاقي الذي ألبسه وحده يساوي خمس دراهم. فقال له العجوز: وأنا أقصد نطاقك، أما أنت فلا تساوي شيئاً.
شعرت وكأن حجي علي عيسى يقول للبغدادي: رغم قتلك لي فأنت لا تساوي شيئاً.
هناك قصة لرجل الماني بسيط حكم عليه النازيون بالإعدام. قالوا له اكتب وصيتك الأخيرة. فكتب رسالة لزوجته الشابة. يقول فيها: بعد قليل سأذهب إلى المشنقة. لقد أحببتك عن صدق. لم أخنك خلال زواجنا. وفي هذه اللحظات أقول لك احزني عليّ أربعين يوماً كما تشائين، وبعد أن تنتهي هذه المدة اخلعي السواد وابحثي عن رجل يستطيع اسعادك في حياتك من بعدي. صحيح أن بعض مشاعر الغيرة تنتابني وأنا في هذه اللحظات، ولكن حبي لك يدفعني أن أتمنى لك السعادة.
ألا تشعرون معي أن هذه الكلمات كانت أقوى من كل جبروت النازية، وتبين أن هذا الحب هو الذي سيُهزم الكراهية كما هُزمت النازية. واليوم لا يرغب الألماني أن تذكر اسم هتلر أمامه، لأنه يشعر بالعار. وهل سيشعر بالعار يوماً من قتل هذا الشاب ورفاقه؟
يقول حجي علي عيسى من خلال نظراته أنه لم يكن يحمل الكراهية في حياته. أراد فقط أن يعيش حياة بسيطة يفرح بها ويُفرح ذويه من خلالها. أما أنتم...! يا من تحملون هذا الحقد بين دفتي كتابكم المطلي بالمقدس سوف لن تنتصروا بقتلي، لأن جمال الحياة والمحبة والإنسانية لا يمكن أن تنمّي جذوركم التي شُذت عن طبيعة البشر حتى لو استحضرتم ألف إله ونبي من خلفكم..
هناك صورة أخرى لا تغادر ذاكرتي قرأتها في كتاب للفيلسوف الفرنسي البير كامو في كتابه "المقصلة". يُستدعى كاهناً إلى المقصلة ليتقبل اعتراف أحد المحكومين عليه بالإعدام. يقول الكاهن ان المتهم رفض الاعتراف بين يدي. ولم ينطق ببنت شفة. وحين سقطت المقصلة على رقبته وتدحرج الرأس إلى الزنبيل، صدف أن أصبح وجهه باتجاهي تماماً. فنظر إليّ نظرته الحية الأخيرة، شعرت معها أنه يتهمني ككاهن عن هذا الظلم الذي وقع عليه.
وهذا ما تقوله لنا عينا حجي علي عيسى: إذا لم تقضوا على هذا الوباء، فأنتم مسؤولون عن موتي.
إن موت البطل ليس النهاية. إنما هو استمرار لقضية خلودها تتجاوز العمر الطبيعي للإنسان. هناك من الأبطال من يقولون كلماتهم الأخيرة. ولكن أكثر الكلمات تأثيراً على رفاق البطل وعلى شعبه هو صعوده إلى المشنقة صامتاً أبياً. ففي هذا الصمت يكمن سر رواية كفاحه. إنه يترك لرفاقه أن يفسروا صمته كما يشاؤون ما داموا يريدون الاستمرار في النضال. وهذا هو سر الصورة الصامتة لبطلنا ورفاقه. إنه يحملنا مسؤولية قضيته ويترك لنا الخيار في تحمل أو عدم تحمل هذه المسؤولية. هنا تكمن قمة التضحية التي لا تشوبها أية أنانية.
يقول سوفوكليس في مسرحيته اليكترا: "أن الشر إذا بلغ أقصاه اضطررنا إلى أن نذعن له..". لكن البطل هو الوحيد الذي يتصرف بشكل آخر. حتى في اللحظة التي يفرض فيها الشرير عليه الموت، فأنه يجابه هذا الموت بشجاعة تُذهل القاتل. كأنه يقول لقاتله أن الشر ليس مطلقاً، ولو كان كذلك لأذعنت لك. هذه هي قوة الخير التي لا يمكن أن تموت في الانسان. فالموت أحياناً أرقى أشكال التمرد والمقاومة.
يقول حجي علي عيسى لقاتله بكل بساطة: أنت قادر على قتلي، ولكن من المستحيل أن تجبرني على قبولك. هذا الفتى لم يقرأ ما قاله الكاتب الأمريكي المشهور أرنست همنغوي في إحدى رواياته على لسان أحد أبطاله موجهاً كلامه إلى جلاده: أنت قادر على تعذيبي وقتلي ولكنك غير قادر على قتل أفكاري. هكذا يكتب البسطاء الملاحم دون أن يرغبوا من ورائها الشهرة أو أي شيء آخر.
أغلب الناس يدّعون الشجاعة ويتكلمون عنها بحماس، عندما لا تكون عاقبة هذا الموقف وهذا الكلام الموت. ولكن قليلون من الناس تتجلى شجاعتهم بشكل اسطوري عندما تكون هذه الشجاعة ضرورة وموقف له ضريبة هي أغلى ما عند الانسان. نعم العديد بل الكثير من الساسة والمثقفين تدير حياتهم الأقوال. ولكن قلة قليلة هم الذين تدير حياتهم المواقف الخالدة.
في مسرحية أخرى لسوفوكليس بعنوان "إياس" يقول أحد الشخصيات: إن في الصمت لنذيراً مخيفاً...!
وهذا ما لاحظناه في عيون حاجي علي عيسى ورفاقه. إن صمته نذير مخيف. هو ينذرنا جميعاً بأن المسألة ليست مجرد جريمة قتل. بل هناك جريمة في الموروث البشري الديني وغير الديني. ومادام هذا الموروث حياً، فإن الجرائم ستبقى هي الأخرى حية في نفوس البشر. قال لنا هذا الفتى بكل وضوح أنه لم يقبل هذا العالم كما هو عليه، وكل من سيكون على شاكلتي سيكون شهيداً مثلي في هذا العالم الذي لم أقبله. والأمر لم يعد يتعلق بي، بل يتعلق بكم أيها الأحياء.
حجي علي عيسى هو شاب مسلم. ورث هذا الدين من عائلته ومجتمعه مثل أية عادة. كان يكتفي بذلك لكي يتابع حياته. هل كان يتوقع هذا الناشئ أنه سيُقتل بالموروث الذي ورثه عن والديه؟ أين كانت كل هذه الكراهية مخبأة في هذا الموروث؟ هل كانت أمه تعرف شيئاً عن هذا الإسلام؟ إنه يقول لجيله بكل وضوح أمامكم أحد الخيارين: إما أن تنظفوا هذا الدين من جانبه البهيمي، وإما أن تبحثوا لكم عن دين يجعل للإنسان أعلى اعتبار في هذه الدنيا. فمن المستحيل أن يكون هناك إله خلق هذا الكون وخلق البشر ومتعة الحياة وفي الوقت نفسه يأمر بممارسة هذه الوحشية التي لا يقبلها أي إنسان طبيعي، ناهيك عن إله.
هناك مسرحية لجان بول سارتر، الفيلسوف الفرنسي الوجودي المشهور بعنوان "نيكراسوف". يقول فيها أحد الشخصيات لصديقيه: " كيف تسمحان لأنفسكما بأن تطلبان مني معرفة دواعي موتي، إنه أنا الذي أطلب منكما معرفة دواعي حياتكما".
نعم هذا ما قاله لنا حجي علي عيسى ورفاقه. علينا جميعاً أن نعرف دواعي حياتنا.
-------------------
- حجي علي عيسى ولد في قرية بير ناصر شرقي كوباني بتاريخ 1/6/1996. في تاريخ /7/6/2014 تم خطفه مع سيارته من قبل داعش في قرية رجيمان، وأرسل الى سجن الرقة ثم إلى منبج بهدف تبديل الاسرى الذي كان من المفروض ان يجري بين داعش والادارة الذاتية. بعد عدة أشهر من اعتقاله دارت مشاجرة في سجن منبج بين حراس السجن، فقام أحد السجناء بفتح باب السجن وهرب السجناء واتجهوا الى حدود التركية. كان الشهيد حجي بينهم. تخبأ في منزل كانو من المكون العربي. وبعد يوم من اختبائه توجه في طريق حدودي مع تركيا، ومن سوء الحظ، في اخر حاجز لدى داعش، كان احد المساجين على الحاجز وقال لمسحلي داعش بأن هذا، أي حجي علي عيسى، كان سجيناً معنا. فقاموا باعتقاله من جديد. وقبل عدة الأيام، وفي بتاريخ 26/8/2016 شاهدنا فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي كيف قام داعش بقتله مع مجموعة من رفاقه الكرد في مدينة الرقة.
- عندما شاهت صورة حجي علي عيسى قبل ذهابي إلى المستشفى لإجراء العملية الجراحية قلت بيني وبين نفسي إذا رجعت من المستشفى سالماً سأكتب عن عيون هذا الشهيد.