انحناء جبل هركول

نزار يوسف
سقوط حسين شاويش ضحية , شهيدا, فقيدا
سقط المثقف عالي المقام المناضل الصلب حسين شاويش (هركول) شهيدا بحادث سير مؤسف و خجول وبسقوطه زلزل جبل هركول الشامخ بقممه العالية زلزالا مدويا و انحنى لنضاله,سقطت قامة ثقافية وسياسية كردية عالية دون ان يرف للغدر جفن
كل قمة بنيت من خلال عفد زمني متواصل ومكثف من التركيز بالذات لتكوين شخصية بصرح عال ليكون لائقا بقضيته الكردية ومسؤولا عاليا واعيا بادراك المأساة القومية الكردية , يكون قدوة مليئة بالفلسفة والمعرفة , ليترقي بشعبه لدرجات اعلى وعيا
بسقوطه فتح ابواب الذكريات منذ ايام الطفولة واللعب في ثنايا القرية الترابية وازقة الاكواخ والطبيعة الجيلية ولصيفها الحار الذي تنبعث حرارة الصخور البازلتية ومن ينابيع القرية ورائحة السنابل والحقول
يذكرنا بالبراءة وطيبة القرويين وخبز الصباح مع الجبنة الكوجرية وحلاوة الشاي المعتقة وجموع النسوة حول التنور وسط انتظار الاطفال لتلقي الخبز المقمر بفرح وسرور, وسط غبار قطعان الماشية واصوات الخراف والعصافير والمواشي التي تملأ المحيط حماسا واملا نحو يوم جديد لشعب مضطهد
طفولة حسين: من اعماق البيئة الكردية ينبثق مخلص متنظر
التابعة لمنطقة ديريك Berojفي القرية قره جوخ
حيث ولد حسين بن خليل بن سليم شاويش عام 1958 من اسرة كردية فلاحية تعمل في تربية المواشي والعمل الزراعي في ارض بسيطة تملكها في القرية
والدته خديجة بنت ملا ابراهيم شاويش من نفس القرية والعائلة
اسرة فقيرة في ريف ناء , هذه الاسرة تسكن قرية واقعة في الصدر الجنوبي لجبل قرجوخ المواجه للشمس وما ترمز قداسة لدى الكرد ,باحثا كاقرانه عن الحرية
والده خليل يعمل عاملا في الحراسة في شركة نفط قره جوخ واسرته كبيرة مؤلفة من زوجتين ومجموعة كبيرة من الاولاد حوالي عشرون فردا
بين احضان هذه البيئة الحافلة بالفقر والمعاناة والكبيرة بالطموعات والاحلام ترعرع حسين وعندما بلغ سن المدرسة اخذه والده لمدرسة القرية الابتدائية وتدرج في صفوف مراحلها ثم درس الاعدادية والثانوية في ديريك وقامشلو
بعدها في عام 1980 انتقل للدراسة في المعهد الزراعي بدمشق ولم يكمل دراسته هناك بسبب ظروفه المادية وانخراطه في النشاط السياسي
فترة دمشق
ازداد ارتباط حسين ومعه قسم من الشباب بحزب العمال الكردستاني فتأثروا كثيرا بافكاره الجديدة عليهم وقصص مقاومة اعضائهم وشهدائهم في السبعينات مثل حقي قرار وصالح كندال وغيرهم ومقاومات وبطولات كوداره في السجون التركية بارادة حديدية يواجهون الموت خلال 1982 وكانت التعبئة قوية بمقاومة مظلوم دوغان وخيري دروميش وكمال بير وفرهاد قورتاي و غيرهم
وكيفية بناء الحياة من المقاومة ومرافعاتهم في السجون تعطي قوة دفع فولاذية للعمل والنضال من اجل وطن حر ومستقل
لم تفارق النقاشات مقولة البحث عن طرق الحل ولو للحظة وتفاوتت القناعات بها فيما كان البعض يقتنع بالعمل والنضال من اجل كردستان سوريا والاستفادة من تجربة ب ك ك وتطبيقها في الواقع السوري ومن ابرز المدافعين عن هذه الرؤية ارتباطا بالواقع الكردي السوري الشهيد اسماعيل عبد الله و حسين عمر و نزار يوسف و غيرهم حيث دائما يعيدون شعار: ما العمل من اجل كردستان سوريا وهي اهم نقطة واعمقها لديهم
وضمن دوامة هذه النقاشات انبثقت اراء كثيرة ومتنوعة بين هؤلاء الشباب فيما كان توجه حسين واخرين نحو فكرة ان تحرر الحزء الجنوبي او السوري من كردستان لصغره وظروفه وجغرافيته المتقطعة لا يمكن ان يتم لوحده (عدا جبل كرداغ وحبل قره جوغ وحبل عبد العزيز كزوان) ولا توجد اماكنيات القيام باعمال ثورية مسلحة في هذا الجزء , فان جغرافية عفرين وحتى ديريك مرتبطة بشكل وثيق مع كردستان تركيا وهو اساسا امتداد جغرافي واجتماعي لها ,علينا الاعتماد على نضالات وتجارب حزب العمال الكردستاني وتبلورت اكثر هذه الاراء بين 1982 و1984
جدير بالذكر ان الاصدقاء الاخرون صالح نمر و محمود كالي و غيرهم كانوا ضمن كثير من الفعاليات في هذه المرحلة و تشكلت اول خلية ثقافية في دمشق( اسماعيل عبد الله ,حسين عمر, امين شيتكا, نزار يوسف,,,) و بعدها بفترة انتقلنا (اسماعيل عبد الله ,حسين عمر, نزار يوسف ) الى ديريك و بعد رجوع حسين شاويش من دمشق الى ديريك و انضم لهذه الخلية في منطقة كوجرات و هكذا شكلوا خلايا نشطة في الارتباط والدعاية ل ب ك ك بان خلاص كرد سوريا مرتبط بتحرير كردستان الشمالية الذي سيكون اسرع مما نتخيل.
فيما كانت تلك الفترة حافلة بالانشقاقات والازمات الداخلية لاطراف الحركة الكردية في سوريا وتحتدم تناقضاتها وخلافاتها لصالح حزب العمال الكردستاني
وكانت التوجهات الراديكالية تحتدم ضمن صفوف هذه الاحزاب لصالح هؤلاء الشباب فمثلا في احتفال عيد نوروز 1982 في غوطة دمشق الذي نظمه الحزب الديمقراطي التقدمي في سوريا تمت دعوة كاتب هذه الاسطر للمشاركة الفنية في الاحتفال و عدد من هؤلاء الشباب بينهم حسين شاويش ومحمود كالي و عمر ابراهيم و غيرهم, وتمت دعوتهم من قبل اصدقاء واقاربهم مثل علي مجيد واحمد مصطفى ابو غمو (وهو شهيد )وكذلك الشهيد زردشت اسماعيل هيبت وجلال واخرين ضمن صفوف الديمقراطي التقدمي المذكور.
وامتعضت هذه المجموعة مما قام به اتباع هذا الحزب واحزاب من كردستان تركيا مثل ريا ازادي والا رزكاري و وووو الذين كانوا يتناولون المشروبات الكحولية والغذاء الفاخر تحت انظار هؤلاء الشباب الثوري المتحمس طبقيا وقوميا و يتحدثون عن طرق الذهاب الى اوروبا مما احتدم نقاش بين حسين شاويش ومحمود كالي و كاتب هذه الاسطر و بينهم حول هذه التصرفات ونقاش قوي حول حق تقرير المصير والصراع الطبقي والكفاح المسلح في ذلك الاحتفال.
احتدت هذه النقاشات اكثر بعد قفزة 1984 باعلان الكفاح المسلح في كردستان تركيا مما زاد التزام هؤلاء الشباب مع حزب العمال الكردستاني فيما زادت التناقضات الداخلية في بقية الاحزاب الكردية وانشطرت وظهرت احزاب جديدة وباسماء جديدة مثل الشغيلة و جناح السيد خير الدين مراد و غيرهم
حيث وتتاسبق لكسب مثل هؤلاء الشباب فيما يصب كل ذلك لصالح حزب العمال الكردستاني.
هنا جديرا بالذكر اجتمع بنا مرتين او ثلاثة المرحوم صبغت سيدا و المرحوم عبدي نعسان من كوباني في كركي لكي( المعبدة) ان لم تخنني الذاكرة في دار السيد عبد الرحمن كلو لطرح افكارهم عن المرحلة للاعلان عن حزب جديد( حزب الشغيلة) لكننا رفضنا هذا الطرح.
في هذين اللقائين لن انسى توزيع الادوار بين المرحومين صبغت سيدا و المرحوم عبدي نعسان
كان السيد صبغت يتحدث و يطرح برامجه و بين حين و اخرى يساءل السيد عبدي ماذا يقول كارل ماركس او اللينين بهذا الصدد , كان السيد عبدي قد حفظها عن ظهر قلب و يلقيها علينا مع ذكر الكتاب او المجلد و رقم الصفحة.
و في محاولة اخرى حاول اكثر من مرة السيد خير الدين مراد كسبنا ( حسين شاويش و محمود كالي و نزار يوسف) لجانبه بطرح
افكاره لاعلان عن حزب جديد في دار المرحوم محمد ابزاهيم( ابو شيرو) بالديريك لكنه ن يفلح في ذلك
فترة الشباب وبداية تشكل الوعي السياسي والفكرية
خلال بدايات شبابه تاثر كغيره بافكار الاحزاب الكردية اي محيطه القومي واحتفالات نوروز السرية لهذه الاحزاب في فترة منتصف السبعينات وهو يدرس المرحلة الاعدادية والثانوية باجواء مغرقة بالسرية في سفوح وقمة جبل قره جوخ المجاور
وفي نهاية السبعينات تاثر بسبب انتمائه الريفي الفقير نحو الافكار الاشتراكية واليسارية او الطبقية ومن خلال مؤيدي الحزب الشيوعي السوري امثال خاله عبدالله شاويش وخالد مجيد واخرين
وكان من خلال اطلاعه على الكتب اليسارية ونظريات الاشتراكية باحثا عن امور غير مألوفة في تكوين شخصيته مما لا يتوفر لدى الاحزاب الكردية الموجودة حينها وربط القضية القومية بالقضية الطبقية دون ان ينتظم بشكل حقيقي في اي حزب ودائما كان يبحث عن اقرب الاحزاب اليه
توقف لدى فكر المادية الجدلية بترو وتركيز لكشف كينونة وجوده المادي بعيدا عن المثاليات والاساطير والمفاهيم الدينية
في البدايات برز حسين مشاكسا شرسا بين اقرانه والاكبر منه عمرا باختلاق مواضيع واجواء نقاشات فكرية , من خلالها كان يتامل ويتعمق في النظريات والافكار التي يقرأها عمليا لاكتشاف مدى تقبلها من المجتمع الكردي وبالمقابل باحثا عن تكوين شخصيته السياسية والفكرية
وكلما ازداد وعيا وثقافة ازداد لديه التركيز والبحث عما هو مفقود وغير مرئي فيما يطمح اليه في ايجاد حلول لقضيته القومية , والمعاناة الطبقية التي يتلمسها
عام 1980 وبعد حدوث انقلاب 12 ايلول في تركيا وحدوث التحول الكبير في تركيا خاصة والمنطقة عامة وبالاخص على الصعيد الكردستاني وبنتيجة هذا الانقلاب التجأ اغلب اعضاء وكوادر وقيادات الاحزاب الديمقراطية واليسارية والكردية في تركيا بمختلف انواعها وتناقضاتها وصراعاتها عبر الحدود إلى سوريا
ومعها افكارها ونقاشاتها وفي ظروف مختلفة جديدة ,وهذا وفر البيئة والاجواء التي كان يسعى اليها حسين وكثيرون يسعون للبحث الفكري وايجاد بديل ثوري للقضية القومية الكردية حيث كانت الاحزاب الكردية الكلاسيكية الموجودة عاجزة عن ايجاد حلول لها وهذه الشريحة من الشباب المتحمس كانت ترى الضعف والنقص وعدم الوضوح في برامج واهداف وشعارات هذه الاحزاب , هذه الشريحة الواسعة التي كانت ضالتها البحث في ثنايا الكتب والخطابات عن الجديد والحلول بطموحات وحماس وطاقات شبابية كامنة باحثة عن مخارج
تلك السنوات كانت فترة انتعاش أفكار حركات التحرر العالمية في الشرق الاوسط وامريكا اللاتينية واسيا وافريقا وانتشار مقولات وافكار معسكر الثورة العالمية
خاصة نشاطات المنظمات الفلسطينة وفعالياتها الثقافية في دمشق ومنها الاحتفالات والمهرجانات الخطابية في مناسباتها والدعاية الكبيرة لمقولات وافكار الثورة ضد الرجعية العربية واسرائيل وانشداد شريحة واسعة من الشباب الكردي لهذه الافكار اليسارية والثورية كالجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وجبهة النضال الشعبي وغيرها , وكانت هذه الفئة ومن بينها حسين واصدقاؤه يحضرون بقوة وحماس هذه الفعاليات ويتأثرون بخطابات جورج حبش ونايف حواتمة وحتى ابو عمار الذين كانوا يرونه ممثلا للاتجاه اليميني في الحركة الفلسطينية ومن المفيد ان نقول ان الفترة كانت اجواء الحرب الباردة عالميا بين قطبي حلف الناتو وحلف وارسو وكان النظام السوري في حينها يردد مقولات مثل جبهة الصمود والتصدي والوقوف لجانب حركات التحرر والشعوب المضطهدة ومواجهة الانظمة الرجعية في الخليج ومصر والمغرب والاردن كانظمة ملكية رجعية تابعة لامريكا فيما يصنف نفسه في قطب التقدم والاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفييتي
وكان هذا النظام يحتضن الكثير من الاحزاب والمنظمات والشخصيات المعارضة من تلك الدول فيما يحاول استخدامها لما يهدف للتدخل في شؤون تلك الدول وتجيير هذه الحركات لاهدافه واستخدامه كورقة
في هذه الاجواء المساعدة للمطالعة والبحث والثقيف المتنوع , لم تغب انظار ومراقبة الاجهزة الامنية السورية لاوساط شرائح الشباب والناشطين ورغم ان الكثير من عيون هذه الاجهزة الامنية معروفة لدى هؤلاء الشباب ويشاركون هذه الفعاليات لمتابعة تفاصيل نشاط هؤلاء الشباب وكشف اسرارهم ومعرفة ما ينوون عمله ومسارهم
يمكن القول بانه منذ 1979 وحتى عام 1984 كان غليان الشعور القومي والطبقي يتوسع بين هذه الفئات وحتى الكثير من المثقفين داخل احزاب الحركة الكردية السورية وتحتدم النقاشات ووجهات النظر والافكار تتصارع في الامسيات والندوات التي تقيمها هذه الاحزاب والحركات
في تلك الاجواء كانت هناك مجموعة من الشباب بينها حسين شاويش تقترب وتتاثر اكثر بالحزب اليساري الكردي من خلال بعض الانصار و الاصدقاء (صالح نمر , محمود كالي و الاخرون ) لكونه ملتزما بالماركسية اللينية وتبنيها للقضايا القومية والطبقية حيث انخرط بعضهم في تنظيم هذا الحزب فيما لم يقتنع اخرون بذلك ومنهم حسين الذي لم يتجاوز حالة المؤيد وما يطرحه هذا الحزب من حلول
تبلور لدى هؤلاء الشباب في هذه الاجواء فكرة انه : لا حل للقضية الكردية إلا بالكفاح المسلح وتحرير الحزء الصغير (كردستان سوريا)
وفي كل لحظة ايضا كانت تظهر اراء متناقضة بينهم كل مرة , البعض يتفق والبعض يختلف حول الظروف الذاتية والموضوعية حول الكفاح المسلح
كان حسين من المتشددين في ربط المخرج القومي بالاشتراكية والصراع الطبقي وتزداد لديه الرغبة والاندفاع القومي لمزيد من البحث والمطالعة في مضامين الكتب المتنوعة باحثا عن ما تصبو اليه طموحات هؤلاء الشباب
في نفس الوقت كان عدد الاحزاب والشخصيات الديمقراطية والثقافية الهاربة من بطش النظام العسكري التركي بقيادة كنعان ايفرين بين المجتمع الكردي في سوريا وبنفس جلبت معها صراعاتها الحزبية والفكرية وتناقضات خطاباتها مع خلافاتهم واختلافاتهم إلى اجواء واوساط هذا المجتمع ومنهم هؤلاء الشباب
حيث كان المجتمع الكردي والاحزاب الكردية في سوريا ملجأ متحمس ومحتضن لكل من هرب من قمع وملاحقة السلطات التركية العسكرية
لم تكن افكار ومقولات وتناقضات هؤلاء الملتجئين مهمة وواضحة ولكنه نتيجة الحوارات والاحتكاك بهم وباطروحاتهم المختلفة استوعب امثال حسين هذه التناقضات وتوضحت الرؤية الخاصة بهم لديهم
من هنا كان الميل نحو الاحزاب التي تطرح نهج المقاومة والكفاح المسلح الميداني وتحضر نفسها ومنها بعض الاحزاب التركية التي التحقت مباشرة بالمنظمات الثورية الفلسطينية للتدرب عسكريا وتحضر نفسها للعودة الى تركيا ومقارعة النظام العسكرية التركي مثل دف سول ودف يول
ومن التعرف على الاحزاب الكردية والشخصيات الهاربة من تركيا تعرف هؤلاء الشباب على الافكار الابوجية وطروحاتهم في تحرير وتوحيد كردستان وتصرفاتهم وكانوا يتحدثون لهم عن التعامل
القاسي للابوجيين مع غيرهم من الاحزاب والشخصيات الكردية من اغتيالات
مما زاد فضول هؤلاء الشباب للاتفاء بالابوجيين والتعرف عن قرب على طروحاتهم وخاصة بعد ذهابهم مباشرة للتدرب في معسكرات الفلسطينيين بلبنان تحضيرا للكفاح المسلح في كردستان الشمالية وخاصة من خلال التواصل بين الفينة والاخرى مع اشخاص من الابوجيين وتلمسوا الجانب العلمي والاستعجال في الانتقال للكفاح المسلح وبحماس منقطع النظير فكانوا متميزين في ذلك عن غيرهم
مما رفع معنويات وحماس هؤلاء الشباب في محيط حسين واخبار مناضليهم الكثر المقاومين ببطولة غير مألوفة في داخل السجون التركية وما يطرحون من اهداف وبرامج ثورية في تلك السجون والمحاكم , فوجودا فيهم ضالتهم وما يعبر عن طموحاتهم ويفجر طاقاتهم وكانوا يتلقفون بحفاوة وشوق اخبار وانباء المقاومة والنضال وبفارغ من الصبر كانوا ينتظرون اي بيان او تصريح او خبر او معلومة تغذي حماسهم ويزيد ارتباطهم وقناعتهم في استعجال تحرير الجزء الاكبر من كردستان المحتلة وفق قناعتهم ويقومون بنشرها وتوزيعها بين الجماهير وخاصة اوساط الطلبة والمثقفين , بهذه الطريقة ابعتدوا عن الحزب اليساري الكردي في سوريا رويدا رويدا وزاد الشرخ بينهم وبين تلك الاحزاب الكردية في سوريا ,والتي لم تشغ غليل هؤلاء الشباب المندفع للثورة والتحرر القومي والاجتماعي عبر الاشتراكية العلمية
وبنفس الوقت ازدادت حدة التناقضات بين هؤلاء الشباب القريبة والمؤيدة وحتى بعض المنخرطين في هذه الاحزاب حول طرق الحل بعد ارتباطهم بحزب العمال الكردستاني وما يطرحه من افكار وبرامج ثورية جديدة ومختلفة عن المتداول
وانخرطوا في حلقات البحث والدعاية واخذ الخبرة ممن قدم من تركيا باخذ العبر والدروس وتطوير الذات فكريا والمعرفة والنظرية ,ليكونوا قادرين على مواجهة الاحزاب الاخرى.
من هنا يجدر بالذكر نتيجة اصطفاف النظام السوري و النظام التركي في محورين مختلفين التقى بعض منافع النظام السوري مع بعض منافع الحزب العمال الكوردستاني في الكثير من النقاط, غض النظام السوري النظر عن تحركات ب ك ك في الانتقال بين الحدود التركية و اللبنانية و العراقية و في التدريب و التنظيم . بالمقابل استفادة النظام منهم لتنظيم و توجيه الشباب و لفت انظارهم نحو الخارج اي الى كوردستان الشمالية ليتخلص من هذه الطاقة الكامنة و المخزون المستقبلي للمجتمع, و استخدامهم هذه القوة كورقة ضغط ضد تركيا لتحقيق بعض المصالح.
نمى تبادل المنفعة بين الجانبين بوتيرة متزايدة و خاصة بعد توقيف رئيس حزب العمال الكوردستاني السيد عبدالله اوجلان في اوائل عام 1986 مع ابن اخي الشهيد عمر ابراهيم(مدني) لدى احدى افرع الامنية بدمشق هذا ما صرح به لنا الشهيد عمر ابراهيم
لانه كان يترجم للجانبين من العربية الى الكوردية
في هذه الفترة عام 1984 الى 1987 كان الشهيدين عمر ابراهيم (الذي كان في الخدمة الالزامية ) و حمزة يديرون رفاقهم في العاصمة تنظيميا و يرافقهم الشهيد الفنان خالد صوفي(فائق) و الاخرون .
بعد التحاق حسين شاويش لخدمة العلم سنة 1985 انضم للفعاليات التنظيمية بجانب عمر ابراهيم و حمزة و خالد صوفي و الاخرين

خصوصية شخصية حسين:
كنت صديقا مقربا للشهيد حسين شاويش(هركول) مند فترات الاولى من المرحلة الشبابية اعلم عن شخصيته الكثير لم يملك حسين شيئا لذاته منذ شبابه , لا صاحب ارث مادي او طموحات اقتصادية اواسرية مفروفة لدى عامة الناس الذين يجمعون المال والعقارات والسيارات وو.
عندما كان شابا كان ضد الطغيان والتسلط والفردية ولم تكن لديه رغبة وحب التملك , عاش في بيئة فقيرة متواضعة وبقي محبا ومتفانيا لرفاقه وزملائه واصدقائه وشعبه ,فرض شخصيته الناضجة والمحبة على الجميع , لم يكن مهتما لذاته فلم يخصص ولم يمتلك لنفسه شيئا , لم يحب المظاهر, لم يرى حب التملك لديه شيئا ,فقط كان شغوفا لتملك الكتاب والقلم والتدوين , وكل ما يخدم شعبه بعيدا عن السلطة ومراكز النفوذ والمناصب , رغم حساسية دوره القيادي النضالي في المرحلة الاخيرة لم يكن يجعل لنفسه حراس حماية او اليات نقل متميزة لاداء واجباته اليومية الميدانية فمثلا: في بداية شهر حزيران اخذ راتبه البالغ خمسة الاف ليرة سورية اي ما يعادل خمسة عشرة دولارا خصص لنفسه 1500 ليرة سورية اي ما يعادل اربعة او خمسة دولارات معيدا البقية 3500 ليرة سورية لصندوق الحزب معتمدا في صرفياته على اصدقائه المقربين فيما كان قادرا على صرف مبالغ كبيرة لكنه لم يفعل لصدقه و امانته في الحفاظ على اموال الشعب , كل ما يملكه كان يعبئه في كيس نايلون من جهازكومبيوترمحمول قديم الصنع وموبايل مضى عليها الزمن ومستلزمات يومية , يصطحبه معه حيثما حل ورحل.
كان لاستشهاد صديقه القائد السياسي للمجموعة عمر ابراهيم (مدني) تاثير شديد عليه , كان حسين يصرح دائما بان طيف عمر و شخصيته لا يفارقني

فترة العمل الحزبي ضمن صفوف حزب العمال الكردستاني
بعد انتقال اول مجموعة الى الجزيرة وخاصة في مدينة ديريك اسسوا اول حلقات التثقيف في ديريك مؤلفة من حسين عمر الموجود حاليا في بلجيكا والشهيد اسماعيل عبدالله ونزار يوسف و و بعد حوالي اقل من سنة و بعد رجوعه من دمشق انضم حسين شاويش معي للدعاية و التننظيم في القرى متواصلين معا لتوزيع المهام لكسب انصار الاحزاب الكردية الاخرى والطلبة وغيرهم
كان دور حسين شاويش مع نزار يوسف في منطقة كوجرات قره جوخ و توابعها باقامة حلقات ثقافية وتعبئة الناس وبادوار متداخلة اضافة لمجموعات جديدة اخرى في القامشلي و المناطق المتفرقة كالكوباني و غيرها وبالتنسيق مع الشباب النشط في دمشق مثل امين شيتكا و غيره و مؤخرا الشهيد عمر ابراهيم المعروف باسم مدني ومحمود خليل و الاخرين.
و هكذا كان عدد الحلقات في ازدياد مضطرد بالمقابل الانشقاقات داخل الاحزاب الكوردية و زيادة الارتباط الجماهيري حول الفكر الجديد الاستقلال و الحرية كان كالنار في الهشيم..

فترة الانتقال إلى تركيا
بعد ان تقرر الانتقال للكفاح المسلح في نهاية عام 1988 ذهبت مجموعة كبيرة من الشباب , سميت بجموعة المداخلة ,جلهم كوادر متقدمة 47 فردا يقودها سياسيا الشهيد عمر ابراهيم المعروف باسم مدني وعسكريا بقيادة (سواد او سعاد) من كردستان الشمالية واتجهو نحو منطقة (بيت الشباب) فوقعوا في كمين على نهر الخابور (هيزل) في موقع (كومانه )بعد حصار بري وجوي متنوع وقيل بسبب خيانة (سواد) حيث استشهد حوالي 43 وجرح حسين شاويش بجروح بليغة والقي القبض عليه وبجروحه نقل لسجن آمد
خلال نقله إلى السجن رفض المرور تحت العلم الرسمي التركي, امتثالا لقناعاته ورغم التعذيبب الشديد الذي ادى إلى اغمائه فتمكنت السلطات من وضعه في السجن بآمد وحكم عليه بالمؤبد ورفض عرضا باطلاق سراحه بالتخلي عن انتمائه السياسي والتخلي عن قناعاته
وبعد خمس عشرة سنة من القضاء في سجن امد تم نقله إلى سجن اضنة وغيرها وفيها تعلم اللغة التركية وقام بتنمية ثقافته المتنوعة وترجم ابحاثا ومقالات من التركية والعربية لرفاقه في السجن وعبر عن مشاعره واحاسيسه بكتابة الشعر
وجراء حدوث تغييرات في الوضع السياسي التركي وانقضاء فترة السجن اطلق سراحه في عام 2005 وباعتباره شخصا سوري الهوية قامت السلطات التركية بتسليمه للسلطات السورية في معبر باب الهوى حيث كان في استقباله والدته وعددا من اقاربه بينهم محمد طيب شاويش صهره وخاله حيث قامت السلطات السورية باعتقاله وتحويله لقسم التحقيق في فرع فلسطين (الامن العسكري) بدمشق
بعد اطلاق سراحه انتقل لبين اهله في ( قره جوخ) حيث اقيمت خيمة استقبال للمرحبين بتحرره وقدومه, لمدة اسبوع وكان عليه مراجعة يومية للفروع الامنية في ديريك واسبوعيا لفرع امن الدولة بالقامشلي ومرتين شهريا لفرع الامن السياسي بالحسكة وبشكل شبه يومي كانت دوريات الامن تتحقق من وجوده في قريته ,مما حوصر في نشاطه السياسي و حتى اختفائه عن الانظار وانتقاله إلى دمشق وحلب وغيرها محاولا القيام بنشاط ثقافي وهكذا قضى حوالي ثلاث سنوات , حوصر حسين من جوانب عدة من قبل السلطة السورية و الفقر و المرض و الوضع العائلي المزري ,لم يفلح في البقاء مما اضطر للانتقال سرا إلى كردستان العراق والالتحاق بمعسكر قنديل
بين الفينة والاخرى كانت اخباره تصل لاهله من هناك
وبعد مضي حوالي ثلاث سنوات اخرى لحين انطلاق الثورة السورية.تحدثنا سويا عبر الهاتف اكثر من مرة عن متغيرات المرحلة و مستجداتها , كان ينوي الخروج و بسرور الى اوروبا نتيجة وضعه الصحي المتدهور و عزاباته في السجون. ليكون لديه هامش من الوقت للكتابة و التدوين , من جانبي شجعته على ذلك لكن عدوه الفقر كان له بالمرصاد يلاحقه اينما حل لذلك بادرت من جانبي مع بعض من اقربائه هنا في المانيا لمساعدته ,في النهاية لم نفلح ,قال لي لا ترهق نفسك بهذا بالموضوع كثيرا الوضع غير مناسب و صعب للغاية ساحاول ان استمر هنا في مقاومة الحياة الى حين ,
فترة الثورة السورية
في بدايات هذه الفترة و ما قبلها كان حسين شاويش ملاحقا من القوى الامنية السورية, بعدما انطلقت احداث الثورة السورية كان حسين في معسكرات جبال قنديل حيث سمحت الاوضاع المستجدة له باغتنام الفرصة او القيام بمهمة نضالية فجاء مع مجموعة كبيرة من رفاقه إلى كردستان روج افا وخاض جانب التدريب والتوجيه السياسي في نضاله وكان احد مؤسسي حركة المجتمع الديمقراطي (تف دم) كما القوات الحماية الشعبية( ي ب ك) فتولى مهاما عديدة قيادية للمجتمع والانصار وكان قائدا عسكريا وموجها متميزا في قوات الحماية الشعبية ي ب ك. تولى تدريب المقاتلين ومسؤولية الاكاديميات العسكرية في العديد من المناطق الكردية .
نشاطات متنوعة لحسين شاويش
كان متمييزا في الاهتمام بتنمية ثقافته ووعيه السياسي او الفكري وحتى الجانب الادبي
بعد خروجه من السجون التركية والسورية وعودته إلى دمشق متخفيا عن انظار الاجهزة الامنية السورية قام بالمشاركة في تقديم سيمينار ثقافي شعري بدمشق وقام بتأليف كتاب بعنوان :دراسة اجتماعية ثقافية تاريخية – سطور منسية من حياة المجتمع الكوجري وقال ان له كتابات حول المجتمع الكوجري والكردي ومراحل تجربته النضالية السياسية والعسكرية وفترة سجنه حيث كانت ميزته المعروفة لدى المقربين منه انه يوثق او يدون مختلف جوانب نشاطه وارائه حيث قال انه ترجم الكثير من قصائد الشاعر نزار قباني من العربية إلى الكردية
وقد صرح لي اكثر من مرة عبرالهاتف انه بات فنانا مثله يكتب الاشعار ولديه ديوانين للشعر جاهزين للطبع , ولديه مخطوطات اخرى تتعلق بالمجتمع الكردي, و في فترة 2007 حيث عقد كونفرانس تاسيسي للغة الكردية في كوباني وتم انتخاب حسين شاويش رئيسا لهذه المؤسسة
وفي اخر اتصال هاتفي معي قبل حوالي شهرين تحدث عن مؤلفاته ومخطوطاته العديدة الجاهزة للنشر استجابة لطلبي عن الاستعجال في تدوين افكاره وتجربته ونشرهها خاصة بعد التطورات الكبيرة في الوضع الكردستاني والاقليمي والحاحي في جعلها خالدة
كتب العديد من المقالات في الصحف الكردية الالكترونية بالكردية والعربية منها الحوار المتمدن والشرق الاوسط
فاجعة حسين شاويش
لم يكن احد يصدق نبأ حقيقة الفاجعة التي اودت بحياة فقيدنا الغالي بحادث سير وفي منطقة مستوية من الطريق الواقعة على مسافة كيلو متر ونصف بين الرميلان وقرية كرقحفك باتجاه مدينة الديريك حيث سبب الحادث اصابة قاتلة في الدماغ و نزيف داخلي بالراس
والسيارة التي استشهد فيها بسيطة وقديمة مقارنة بسيارات المسؤولين او العامة من الناس حيث تفتقد لبالونات الهواء وهي غير مناسبة للركوب والسفر معرضة للتعطل
الكثيرون لم يصدقوا النبا و خاصة المقربون حتى والدته شكت من امر الحادثة
وشك الكثيرون بهذا الحادث لحساسية شخصيته ومكانته النضالية وخصاله المرفوضة من قبل مختلف مضطهدي شعبنا الكردي والقوى المختلفة
لقد صرح شخصيا للمقربيىن منه بانه حذر و يخشى الغدر اكثر من العدو, وبنفسه لم يكن مهتما بجانبه الشخصي بقدر ما كان مهتما بالوفاء لقيمه النضالية العالية ,حتى اعلاميا لم يتلقى في شهادته تلك الاهمية الكافية لمركزه و وزنه و مكانته التنظيمية العالية
بشهادة حسين شاويش فقدت الحركة الكردية مناضلا وفيا و صادقا و قائدا عالي المقام ومثقفا ثوريا محبا لوطنه كوردستان , انه هو بنفسه ضحية بساطته واهماله لذاته و لا مبالاة الكثيرين به و لمركزه
البقاء و النصر لقضيتنا الكوردستانية العادلة و رحمة الله عليه و على جميع الشهداء كوردستان و ا سكنهم فسيح جناته.
22أب 2016