ثلاجة الموتى أشدّ تعقيداً من الموت

2016-08-07

في ذكرى رحيلكَ: ثلاجة الموتى أشدّ تعقيداً من الموت
* جوان سوز

(إلى نزار حجّي مصطفى، الإعلامي حيناً، والمترجم والروائي حيناً آخر)

مرحباً عزيزي، وقبل أن أتفوّه بكلمة أخرى، لا بدّ من الاعتراف أنّه لا وقت لدينا لنعلم مَن استشهد من أهلنا وأصدقائنا صباح اليوم. يكتب شقيقكَ الصحافي فاروق هذه الكلمات، فيما أنا أدرك جيداً كم أنّ غيابك يمارس عليه التعذيب. تصوّر يا صديقي، لم تعد لديه إمكانية معرفة موت ذويه. لا يعرف مَن مات اليوم، ومَن سيموت غداً ومَن فارق هذا المستنقع البارحة. كلّ ما عليه وعلينا الآن، أن ننهض في الصباح الباكر، نحتسي قهوتنا أمام الشاشات، نتابع أخبار الموت من مسافات بعيدة وأحياناً من مسافات أقرب. نصطدم بمن يشبهك في موته وهو ميتٌ غريب، ومَن هو أكثر سعادة في موته أيضاً، وهو الميت بين أهله دون أن يعبر مطارات هذا العالم وهو جثة باردة كما كنتَ في الصيف الماضي.

هل تعلم يا عزيزي أنّ ثلاجة الموتى أشدّ تعقيداً من الموت؟ إنّه هناك في الثلاجة، وأوراقه لدى إدارة المستشفى، تفضلوا وقّعوا هنا واستلموه! آه يا صديقي، كيف يصبح الإنسان سلعة قابلة للشحن الجوّي، وكم هي سيئة مادة الحطب الّتي لا تذكّرني سوى بالتابوت. تعرف أنني شاعر مشاكس، أتخلى عن رومانسيتي حين لا يعني لي الحطب دفء الشتاء وبيوت النحل. أيها الصديق الّذي يشبه العسل، كيف صار حضورك علقماً؟

حضورك في الذهن وفي المقاهي التي كنا نتردد إليها. هل تذكر كلّ تلك المقاهي؟ لم يعد شقيقك فاروق يجلس فيها. اضطررتُ نتيجة ذلك للسير كيلومترات عدة من بيتنا إلى هناك، لنجلس معاً في مقهى لا يتذكّرك. ذات مرة، تواعدنا في مقهى جديد، أنا وشقيقك، ورحنا نشرب القهوة وندخن السجائر. اعترف لي أنه يخشى يوم الثلاثاء، وبدأ يبكي أمام الزبائن. لم أقل له توقّف عن البكاء، كما كنتَ ستفعل لو أنك بيننا. بكيت معه، بكينا معاً، بكينا كثيراً، وحين توقفنا عن البكاء، كان العالم حزيناً وكانت الشمس تغيب.

هل تعرف يا نزار كيف نهضتُ صباح اليوم؟ نهضتُ على ذكرى فقدانك، وهذا الأمر يشبه الانتحار بالنسبة إليّ. كأن أعود بشريط الذاكرة إلى الوراء، الماضي الّذي يأكل من لحمنا ويشرب من دمنا. آه يا صديقي، قلتُ لنفسي وأنا في السرير، لماذا يتساقط شعري، لماذا يموت أصدقائي، إلى أين يمضون في هذا الوقت القصير؟ في الخريف الماضي، عدتُ ثملاً إلى البيت ذات يوم، كان الجو بارداً، مررتُ بشارع بيتكم، كنت أنتظرك عند موقف الباص، وعندما لم تأتِ، بعثتُ برسالة نصيّة إليك، على رقمك الذي لا يزال يزيّن لائحة الأرقام في هاتفي. وكلما اتصلت بكَ، ذكّرتني أمي: "لقد مات منذ أشهر!".

كيف لكَ يا صديقي أن تموت من دون استئذان؟ لماذا لم نلتقِ من جديد، ماذا كنتَ ستخسر لو أنكَ قلتَ لي، أو على الأقل لشقيقك فاروق: "وداعاً"؟ أيها الصديق الذي فجعنا باكراً، لو أنك ترى حياتنا وتشاهد كم أننا نكذب على أنفسنا حين يتهيأ لنا أنّك هنا. هل تعلم أنّنا نكذّب فقدانك وكلّ وكالات الأنباء؟ لم أستطع بعد أن أصدّق. مرّ يوم غيابكَ المظلم، ولا أزال أسمع همس صديقنا المشترك وهو يوشوش في أذني أمام باب الدار أنك ستعود. كنا قد اتفقنا معاً على عودتك بعد حين. أيها الصديق، هل تدري كم نقسو على أنفسنا؟ نزار من دون ألقاب... إنّه الموت يا صديقي، وإنها الحياة، العاهرة التي تأخذك منّا دون مقابل.