الاقتصاد في خدمة الوجود!

2016-07-08

ريبر هبون*
الاعتقادات تجسد على تباينها ,ماهية الصراعات لأجل تقاسم النفوذ المادي, فكلها تنصب لحماية السلطة وتكريسها بأقنعة مختلفة وفي كثير من الأحايين , تبرر الحروب بصبغات متعددة تختلط ما بين مفهوم الحق والحماية , وتوغل عميقاً في أن تنشب أظافرها في كافة مناحي الحياة , لتنتج مجتمع القطيعة , إذ كلما تكرست معالم الاغتراب داخل المجتمع , كلما تشعبت أزمات السلطة وباتت الأقنعة التي تتستر خلفها بالية وممزقة ,
فكل معتقد يلزم معتقده بالعنف بأشكاله , حيث يمارس التأثير السلبي على الملتقي الشاب بغية قولبته وجعله حارساً على جملة تصورات , يراها ثابتة, حيث انهالت الإيديولوجيات على الأوساط الشابة المعدمة وليس على طبقات توفر لها الرخاء المادي , مما معناه أنها غذاء يستخدم بديلاً عن الغذاء اليومي الذي تلهث خلفه الطبقات المعدمة , تلك التي يتم حقنها بحب الموت لأجل انتصار أفكار بدت لها الحياة برمتها.
وإن نظرنا للاعتقاد كنظرة مسالمة , لا يتم تسليعها وتسيسها , نستطيع أن نراها عبارة عن مجموع قيم , تنظم حياة المجتمع , وأفراده, الأمر الذي يمكن النظر إليها من كونها النسيج المتعدد الذي يهب الحياة رونقها البهي و يمكن فهمها وفق فلسفة الاختلاف , جوهره الذي يضمن التعايش السلمي, وغايته في الحد من الحروب والأزمات, ومقاصدها لأجل وضع الحلول التي تؤسس لمنفعة متبادلة ومشتركة والتي يؤسسها المعرفيون في مجتمعاتهم عبر تنظيماته الاجتماعية, تلك التي لم يعد لها وجود في الشرق الأوسط , نتيجة توالي السلطات الشمولية التي ولّدت من صلبها حكم الأحزاب التي اتخذت لبوس التكتل القبلي , حيث نجدها تمارس عكس ما تدّعي , وتحارب لأجل بقاء نفوذها الفئوي , تغذيها أطراف اقليمية تجد بقاءها على ما هي عليه ضماناً لبقاء تحكمها للموارد والثروات الطبيعية , فيستعاض عن تلك الأنظمة ببدائل مزرية لا تختلف عن سابقتها عبر تلك العملية التعسفية المسماة بالربيع العربي , الذي نتجت عنه أزمات النزوح وإفراغ المناطق من السكان وبناء مستوطنات جديدة وفتح أسواق لبيع السلاح , وضمان العنف لأجل المنفعة , للحد من بروز أي شكل من أشكال السلام في هذه المنطقة المستعرة والمنكوبة إنسانياً, مما نرى أحزاباً وتنظيمات شتى تتخذ من شعار الوحدة والديمقراطية اسماً تنظيمياً لها , والحقيقة ان وجودها هو لأجل محاربة الوحدة والديمقراطية معاً , نجد بالمقابل من ذلك تنظيمات دينية طائفية جاءت كتجديد عن فكر القاعدة وتحديثاً لها بغية جعل الشرق الأوسط عبارة عن إقطاعات تنسجم مع سوق السلاح , ويبقى الشعار الدارج الحرب ثم الحرب , لأجل المزيد من الربح والمكاسب, والبديل المغترب كان الطرح السلمي الذي يخص بمسألة إعادة الحياة والتعريف بالرابطة التي تسمو بالجماعات البشرية بغية تفعيل مظاهر الاختلاف والحوار والدعوة إليه كبديل عن الصراع والاحتقان بأشكاله المتعددة
لترسيخ القيمة الموضوعية للجماعات التي تنشأ وتتوالد ضمن حالة من التلاقح الفكري والذي ينسجم مع ما
...يسمى بالحضارة, بعيداً عن الخروقات الكارثية الناجمة عن العنف وترويجه,
فمضمون الصراعات النفعية تنشأ كبديل عن التصارع الفكري لخلق بنية تماسك بين المجتمعات , ولايبدو خافياً أن طبيعة الصراعات الربحية تتم بمعزل عن الأخلاق بل وبهدف تقويضها , كما نشهد ذلك في الشرق الأوسط , فبينما نشهد قوى هدفها تفكيك معاني التعايش نجد بالمقابل منها فئة تدافع عن قيم التعايش , وتشهد القوتان صراعاً يكاد يكون الوجه الراهن لما يمكن رؤيته جلياً كنموذج عن طبيعة النزاعات التي تأخذ أشكالاً بعيدة عن سبب نشوئها , تكريس الخلاف السني الشيعي في المنطقة , وتفعيل هذا الخلاف , وتنميته ليضمن اللاستقرار , وإعطاء قداسة للتقهقر الفكري والتراجع الروحي للشعوب , بغية عزلها عن تطورات الفكر البشري والحاضر على حقيقته المتجلية بالتحول نحو الرفاهية والانتعاش , لواقع سلبي وقائم على الاقتتال والتنازع المفرط , لماذا يتم ترسيخ ظاهرتي الاستبداد الديني والسياسي , بصورة منتظمة في الشرق الأوسط .؟
ويتم استنزاف الشعوب , وخيراتها , الصراع الاسلامي الطائفي كان البديل عن الخلاف الكبير والباقي بين الأديان الابراهيمية , إذ انه لم يكن سوى انتاج نموذج جديد يخص توليد أزمة جديدة متجسدة بمحورين اسلاميين تغذيا من إشكالية السلطة والخلاف عليها منذ عهد الخلافة على آل البيت ومقتل الحسن والحسين , أي انتاج الماضي وتحديثه بما يتلاءم مع الحاضر , والاستفادة من تأثير المقدس الديني على عقول هذه الشعوب التي تعيش في ماضي 1400 سنة , نحن نشهد في هذا العالم الشرق أوسطي إعادة انتاج الصراعات القديمة الرازحة في العقل الباطن للإنسان الشرق أوسطي , حيث لم يبرأ من أمراض الخنوع للحاكم , ولإرادة السماء , وتنزيه القادة وإن كانوا علمانيين , حيث انتقلت ذات الآفات الناجمة عن الاديان إلى محافل الأحزاب وأيديولوجياتها الشمولية , مما نجمت عن ذلك العديد من الاشكالات الاخلاقية والمعرفية التي رسخت الاغتراب في معالم هذه المجتمعات , الاغتراب عن الفاعلية والركون نحو الغيبيات ومذهب الإلزام والالتزام بتنفيذ ما يُصدر, لتبقى الديمقراطية الحلم المشوه لشعوب اعتادت الدوران في متاهة الاخفاق والتهويم والتشرد الدائم
وفقاً لذلك يمكن فهم النضال الحقيقي للإنسان المعرفي إلى جانب المرأة المعرفية في تنمية بذور التعايش لتحقيق المزيد من الابتكارات بشكل دائم والذي وفق السياق الموضوعي يمكن على ضوئه استيعاب تطلعات المعرفيين-نحو الحياة القويمة , وهذا ما أدركه المعرفي -ألبرت أنيشتاين -حين احتج على الذين قاموا بالاستفادة من مبتكراته بتحويلها لغاز سام فتك بحياة الأبرياء , فالعقلانية التي تبيح للإنسان استعمال مبتكراته لأجل الرقي هي الكفيلة بترسيخ ماهية الحياة في تحقيق المعايير الأخلاقية التي ترفض إنهاء الموجودات بصورة مدمرة, فيجب تحقيق الحياة الإنسانية التي ترتقي بالعلم الموضوعي الذي أساسه تحقيق المنفعة العامة التي نظر إليها -ستيوارت ميل – خياراً لخير العموم وتوريث ثقافة السلام بدلاً عن ثقافة السلطة الإقصائية , حيث لم يستسلم المعرفيون لممارسات أرباب الاقتصاد الجشعين والقائمة على الاحتكار والاستغلال, فكان طموحهم قائماً على ترسيخ قيم الحياة عبر نظرية اقتصادية تتعاطى التوزيع والتكافؤ بشكل ينهي مختلف الأزمات العالمية ويحول من تسعيرها وخروجها من دائرتها الأساسية لبقاع أخرى , حيث لا بد من تحريك عجلة الاقتصاد لخلق الرفاهية وإنهاء الفوضى وسد الفجوات للحد من التلوث والفقر والبطالة والوقوف حول الامراض السارية الناجمة عن الفقر والمجاعات والحروب التي يصنعها البشر وفق صيرورة تحفظ للمجتمعات ثقافاتها وقيمها , الأمر الذي يحول أن تنفرد ثقافة بأخرى منعاً لطمس الجذور, فلم تتوقف محاولات احتكار ثقافة مجموعة شعوب وصهرها بثقافة لغة معينة حاول أصحابها بثها قسراً باسم الدين والرابطة الدينية , تحت يافطة الفتوحات (الفتح العربي , العثماني), لذا فالإجماع على مذهب الاقتصاد في خدمة الوجود هو الوسيلة الضامنة لإنهاء الأزمات المتصلة بالحروب والنزاعات المسلحة
وما الاقتصاد سوى وسيلة لنشر المحاولات في إنجاز أكثر المشاريع الإنمائية فائدة والتي تستطيع تحقيق احتياجات الشعوب واستثمار مساحات أرضها لينعكس المردود بصورة أقوى وأفضل ونحو خير عام,
وبالنظر لمسألة نزوع البشر إلى العدوانية وفقاً لاتجاه يتبناه بعض الفلاسفة , يرى المعرفيون أن المسألة تتجاوز نزوع الأفراد إلى العنف , بقدر ما أنه لم تكن هنالك طرائق جادة وحقيقية لتربية النفوس على مذهب النظام, النظام القائم على توظيف الامكانات وتنظيمها وفقاً لاحتياجات المجتمع وتنميته , فالإنسان الذي يربي نفسه على الشره الدائم, لابد وأن يخلق لنفسه مذهب الشره, حيث أضفيت الشرعية على القتل والفساد والتطرف , وهو لبوس تقنَّع به الإنسان السلطوي , والمراد به تحصيل الأشياء والسيطرة على الموارد بالعنف, وكذلك تمرس الإنسان في تمويه رغباته ضمن قالب مثالي, ولاشك أن الأديان في مسارها السياسي وتباين تأثرها بطبيعة تصرفات معتنقيها جعلت المجتمعات في حالة من التناقض والتشتت والفوضى والجمود والتي سببتها الكوارث والأزمات الاقتصادية والمالية التي أفرزتها الرأسمالية عبر مراحل احتكارها التاريخية والذي وقفت ضده مظاهر التمرد الفكرية والمتجلية بكفاح المعرفيين الطويل ضد محاكم التفتيش في كافة اماكن تواجدهم , فللمعرفيين تجارب كلية شاملة تداولوها عبر توارث وتلاقح حضاري مستمد من واقع شعوبهم ورزحوها تحت نير التحالفات الحربية تارة وصد الخطر المشترك تارة أخرى وفوق تلك الحدود المرسومة بفعل الحروب والهجرات يكمن الفعل
المعرفي المنتج الذي يعلو فوق كل رابطة عرقية أو لغوية أو
..دينية فيما إن تم تبنيها في عصرنا الراهن
إنها الرابطة الأسمى التي تجمع المعرفيين بعضهم ببعض , وهي الرابطة العقلية وليست الدموية تلك من أفضت للحروب والنزاعات , كون الرابطة العقلية رابطة اختيارية تختارها النخبة المدركة التي تتمتع بخصائص تميزها وتتمايز بها عن غيرها من الفئات الأقل إحاطة بالفكر والأدب والفن والابتكار الهادف
لأن الرابطة التي تجمع كل المفكرين والمبتكرين والأدباء والفنانين , تسمو بوجودية الإنسان ولا تجيد التشبه الأعمى بالأفكار العنصرية ولا تولي أدنى اهتمام بما يقتل العقل الموهوب ويقلص من انتشارية المنجز
إنها الرابطة المنتجة للإبداع والجمال والخير الذي لا ينضب, وتنشد الحب الذي هو الممهد الأساسي لتبلور الفعل الإنساني الذي يعم فضله على الوجود بأسره
...نحو مذهب الاقتصاد في خدمة الوجود
ذاك الاقتصاد القوي الذي يساهم في إرساء الامن والسلام في الأماكن المستعرة إثر الحروب والنزاعات المسلحة , ذاك الاقتصاد الذي ينتصر لتطلعات الشعوب نحو الحرية والسلام
لقد أربكت صفقات بيع الأسلحة والمخدرات وتصدير الازمات الحياة الإنسانية برمتها , حيث لم تسلم من دواعي الكارثة حتى المجتمعات المتمدنة (أوروبا) فالأزمة السورية مثالاً خلقت أعقد صراع مسلح على وجه العالم وتم تصديرها لأماكن مختلفة بدء من الجوار وانتقالها عبر موجات النزوح والهجرة لمختلف البلدان الأوروبية , الامر الذي يخلق أزمات مختلفة لتلك الدول الراعية لها إزاء حالة التصادم الاقتصادي بين أرباب المال , ومن هنا كان دعوتنا لوحدة المعرفيين والمعرفيات في العالم , ضرورة ملحة لتحقيق النهضة الإنسانية الواعدة بمستقبل أفضل للوجود