التعايش المشترك والفسيفساء السوري..

دليار بوزان
تكاثر الحديث في الفترة الأخيرة عن التعايش المشترك والفسيفساء السوري المتشابك ،وعن أليات حفظ ما تبقى من ماء الوجه للتركيبة السورية المتفككة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً ،إذ بات من الصعب جداً إن لم يكن مستحيلاً لمُّ شمل المكونات السورية تحت مسمىً واحد .

أفرزت الحرب في سوريا الكثير من المصطلحات الغريبة ،التي كانت غائبة على الساحة السورية في فترة ما قبل الثورة ،أو كانت متجاهلةً في الكثير من الأحيان ،لأسباب كان الكثير يتجاهلها إلا غرف المخابرات ومكاتب البعث ،لكن الحق يُقال بأن سوريا قبل الثورة وبالرغم من تعدد مكوناتها الاثنية والعرقية والقومية ،حافظت على التعايش والتشابك بين مكوناتها إلى حدٍ كبير ،إذا ما قارنت بشقيقاتها العراق ولبنان .

عند البحث في تاريخ سوريا الحديث والخوض في متاهاته ،ستصادفك الكثير من إشارات الاستفهام وعلامات التعجب ،عن حجم الطغيان والظلم الذي كان يمارسه نظام البعث منذ تسلمه سدة الحكم في البلاد منذ الستينيات من القرن المنصرم ،والذي كان له دوراً سلبياً في إحداث فجوة كبيرة بين المكونات السورية ،فمجزرة حماة في الثمانينيات التي نفذها النظام البعثي بقيادة رفعت الأسد ضد الإخوان المسلمين والتي أودت بحياة الألاف من سكان المدينة وتهجير مئات الألاف منهم ،وأحداث القامشلي في 2004 الممنهجة بحق الكرد عبر أجهزة الأمن وعملاءهم والتي أودت بحياة العشرات من الكرد واعتقال الألاف منهم ،وحريق سينما عامودا ،والمزيد من المحطات السوداء في تاريخ سوريا الحديث ،كل هذه الممارسات الطائفية والعنصرية التي ارتكبها النظام السوري والمتحالفون معه وخاصة ضد القضية الكردية ،جعلت نيران الثورة تتأجج شيئاً فشيئاً ،فكان السوريين على موعدٍ مع ثورةً فرضت عليهم من خلال الربيع العربي ،ورأى الكرد بأن إقامة إقليم فدرالي أو حكم ذاتي لهم على غرار كردستان العراق ،هو الخلاص الوحيد من المآسي المتكررة التي يتعرض لها .

لم يعد يخفى على أحد حالة التشرذم القائم والدويلات المقسمة في الجسد السوري بطوله وعرضه ،وبدلاً من أن يقوم ممثل الثورة (الإئتلاف السوري) بتقارب وجهات النظر وترسيخ مفهوم التعايش المشترك عملت العكس ،من خلال بث خطابات العنصرية والكراهية ،وكان الكُرد هو المستهدف الأول لهذه الخطابات ،وبات الكثيرون مقتنعون بأن المكون الكُردي هو التهديد الحقيقي والخطر المباشر لقتل التعايش المشترك بكل ألوانه في سوريا ،ولعل ذلك يتجلى بتبني الكُرد مفهوم الفدرالية في نظام الحكم المستقبلي لسوريا ،لضمان حفظ حقوقهم المسلوبة في عهد البعث .

التفسير الخاطئ والعمل على تصوير الفدرالية على أنه خطر وشبح يهدد مستقبل سوريا ،من قبل غالبية المكونات السورية ،أمر مبالغ فيه ،وتزوير لمفهوم الفدرالية ،إذ أن الفدرالية لم تكن يوماً تقسيماً كما يروج له الأن في سوريا ،وإذا بحثنا عن تعريف الفدرالية سنجد بأنها اتحاد بين عدد من التقسيمات الفرعية تحت مظلة الجمهورية ،والذي يعتبر الحل الأمثل لواقع سورية المقسم اليوم .

التحولات المستمرة في جسد الثورة السورية وتحولها إلى قضية بأيدي الدول الإقليمية والدولية ،وارتباط المصالح الدولية بحاجة الفصائل العسكرية للدعم العسكري واللوجيستي ،صعّب من الحفاظ على التعايش الداخلي السوري ،إذ أن الفصائل المقاتلة على الأرض تسعى إلى نيل رضا الجهة الداعمة لها ،وتنفيذ مخططاتها بالدرجة الأولى .

حقق المجتمع المدني السوري خطوات جيدة نحو تعزيز قيم الديمقراطية ومفهوم المساواة والتعايش السلمي من خلال المنظمات والمؤسسات والجمعيات المدنية وإطلاق العديد من الفعاليات التي تدعو إلى العمل الطوعي والمشترك ونشر ثقافة السلام والتسامح والإخاء، للارتقاء بالمجتمع السوري المنهك في دوامة الحرب إلى بر الأمان والاستقرار ،و من خلال النظر في تاريخ الثورة الدموي نستنتج بأن لا النظام ولا المعارضة قادرة في أن يحقق التعايش المشترك والتكامل بين المكونات السورية ،لذا عليهم إتاحة الفرصة للمجتمع المدني ومؤسساته لأنها الأمثل في إنقاذ ما تبقى من سوريا .