الأطفال بين التجنيد والتسيس

الأطفال في سوريا بين التجنيد والتسيس
إدريس سالم

«وجوهٌ سياسكرية لعملة واحدة، وفي كل وجه معكّر عليه تجاعيد نقية، تجعل من الطبيعة المجتمعية بيئة نظيفة منوّعة تُعاش فيها كل المخلوقات، كما الفسيفسائية الأوروبية».
وأيضاً: «أن تجنّد طفلاً يعني أنك تقضي على المستقبل، وأن تسيّسه يعني أنك تملك العقل وتدمّره وهو يحقّق أهدافك البعيدة عن الإنسانية والوطنية».

إن هذا الكلام يعني أن حياة الأطفال تحوّلت من البراءة إلى احتراف القتل وممارسة الإجرام، من اللعب بالدمى إلى اللعب بالرؤوس المقطوعة والمنزوفة دماً، ومن حمل الحقائب المدرسية إلى حمل السلاح، وامتلاك ثقافة الحب والسلام إلى ثقافة التطرّف والإرهاب.
فالأطفال السوريون ومنذ بداية الثورة يعانون من ويلات الترهيب والتعذيب، أولاً على يد نظام الأسد الذي سيّس الأطفال نحو خدمة القائد والحزب الواحد، والآن على يد تنظيم داعش الذي يعمل على نشر إيديولوجية التطرّف الديني، من خلال مناهج يعتمدها في تدريس الأطفال السوريين وبقية المناطق التي يسيطر عليها، وتحويلهم إلى ما يسمى بأشبال الخلافة المتعصّبين دينياً.

تبدو إستراتيجية داعش في تجنيد الأطفال ودفعهم لارتكاب جرائم قتل وذبح وكأنها رسالة صريحة وواضحة للعالم أجمع بأن التنظيم لا يعمل فقط على نشر الإرهاب والفوضى وتفتيت الدول، بل يعمل أيضاً على تخريج جيل من الإرهابيين، عبر ممارسة العنف والقيام بأعمال التفجير والقتل والذبح، وهكذا سيكبرون وهم يعتبرون أن القتل جزء من الحياة اليومية مثلها مثل الصلاة والأكل والشرب والنوم، وبهذا فالمستقبل مُبشّر بأجيال أشدّ عنفاً وقسوة من الإرهابيين الحاليين.

يقوم تنظيم داعش بتجنيد الأطفال في سوريا عبر معسكرات خاصة بهم، حيث يتلَقون دروس القتل والعنف والفوضى الفكرية وطرق تنفيذه، ويجرى ذلك على مرحلتين: الأولى تكون بإخضاع الطفل الذي يتعلّم حفظ القرآن الكريم في المساجد، وإقناعه بفكر التنظيم التطرّفي، وبعد أن يختموا القرآن الكريم، يُؤتى بهم إلى معسكرات التدريب الفكرية والعسكرية ليخضعوا بداية إلى دورة شرعية مدتها 45 يوماً، ومن ثم يخضعون لدورة عسكرية تستمر أيضاً لثلاثة أشهر، وحتى يتخرّج الطفل من المعسكر عليه قطع رأس أحد الضحايا في الأماكن التي يسيطر عليها تنظيم داعش كمرحلة ثانية، فيما معظم المعسكرات تقع في مدينة الرقة وحلب، وأهمها معسكر الزرقاوي وأسامة بن لادن والشركراك والطلائع..

إذاً داعش يجنّد الأطفال ليحوّلهم إلى وقود للعمليات الانتحارية، وذلك لجعلهم خلاية سرية يمكن الوثوق بها، إضافة إلى أن نقص معدلات الاستقطاب منذ بدايات الحرب على الإرهاب أسهم في البحث عن فئات جديدة للاستفادة منها، على رأسها الأطفال والنساء، وحتى المختلون عقلياً وبدنياً، كما كان يحدث في تفجيرات السيارات المفخّخة في المدن العراقية، التي اكتشف لاحقاً أن منفذيها أشخاص لا يملكون قرارهم، بسبب إصابتهم بالأمراض العقلية والنفسية المزمنة.

ما يجعل الجماعات الإرهابية المتطرّفة تستمرّ في تجنيدها للأطفال وتسيّسهم نحو تحقيق أهدافهم هو الرضا الدولي على هذه الكارثة التي تهدد المستقبل السوري لعمر من سايكس بيكو، فالتزموا الصمت ولم يبدوا حيال ذلك سوى ببعض الضربات الجوية الثانوية وبيانات تنديد وقلق من رجال صنع القرار في المنظمات والمحافل الدولية، فهم كما صنعوا حركة الطالبان في باكستان وتنظيم القاعدة في أفغانستان لتحقيق طموحاتهم وازدياد نفوسهم، فهم صنعوا داعش في قلب الشرق الأوسط للقضاء على الأنظمة الديكتاتورية ولإدارة الدول الجديدة عبر تنصيب عملائهم كرؤساء على رأس حكم كل دولة، ولإنقاذ الشعب كهمٍّ أخير لهم.

كوردياً، أدرج حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) مادتي «فلسفة أوجلان، والأمة الديمقراطية» في المناهج الدراسية التي أعلنوها في غربي كوردستان، وذلك لاستقطاب أكبر شريحة مجتمعية متنوعة لمشروعهم الرافض لبناء أي كيان كوردي مستقل في الشمال السوري والهادف أيضاً للتعايش السلمي بين إخوة الشعوب في المنطقة من الكورد والعرب والتركمان والآشوريين..

ففي مناهج التعليم الجامعي بسوريا وما قبله من المرحلة الابتدائية والثانيوية التي أشرف على وضعها مختصون بعثيون كان التعليم يهدف بالدرجة الأولى إلى التنديد بممارسات إسرائيل – كعدوّ أول وأخير للعرب – رغم أن أسد الأب والابن هما من أكثر الشخصيات التوافقية المدلّلة لدى إسرائيل في الشرق الأوسط كحاميين لها، ومن ثم التمجيد بالقائد حافظ الأسد (بائع الجولان) ومنجزات الحركة التصحيحية وحرب تشرين التحريرية والتي كانت بداية حقيقية لتعبيد الشعب السوري والتنكيل به، أي أن التعليم كان مقتصراْ فقط على وضع الطاقات والخبرات في خدمة حزب البعث وليس في خدمة الشعب ومصائب العالم، حيث كان مرفوضاً إدخال الكومبيوترات والحواسيب الإلكترونية إلى سوريا في عهد حافظ الأسد والاستفادة منه في الدوائر الحكومية والقطاعات العامة والخاصة وحتى في المدارس والجامعات وتطوير ذهنية الأطفال والطلاب. وكذلك سيكون الأمر نفسه بالنسبة للمدارس التي يشرف عليها تنظيم داعش وحزب الاتحاد الديمقراطي، على اختلاف كبير أن الأخير لا يملك فكراْ تكفيرياْ متشدّداً ودينياً، ولا يمكن مقارنته أمام ما يفعله داعش بالناس، فخطيئته الكبيرة هو بتعامله مع مغتصبي كوردستان ورفضه لأي مشروع كوردي يخدم الدولة الكوردية، وأدلجة التعليم وتسييس الأطفال ووضع إمكانات كل منهما في خدمة قواه العسكرية والسياسية.

فقد قامت بعض الجهات المخوّلة ضمنياً في حركة المجتمع الديمقراطي بجمع الأطفال الصغار المتراوحة أعمارهم ما بين (4 – 10) سنوات، وتنظيم مناسبات إيديولوجية رسمية وغير رسمية لهم، ومنع أهاليهم من المشاركة مع أولادهم، لأنهم بهذا الأسلوب سيقومون بغسل أدمغة الأطفال من خلال تقديم الهدايا والأطعمة وممارسة نهجهم السياسي والفكري عليهم وإبعادهم عن تربية الأهل لهم، ويدخل هذا في خانة تسييس الطفل وتجنيده لأجل غايات فكرية وسياسية تحرّمها كل الشرائع والقوانين الدولية، والخطورة تكمن في انحراف الجيل القادم وجعله وقوداً لسياساتهم، وبالتالي خسارة الجيل كنتيجة حتمية إن لم يتدخل أحد!!

ما الذي يقع على عاتق الأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية الكوردية والسورية والناشطين المستقلين والمنظمات الحقوقية والإنسانية والمنظمات الدولية المدافعة عن حقوق الطفولة حتى لا ينحرف الأطفال سياسياً وعسكرياً ويبقوا متماسكين تربوياً وتعليمياً وعلمياً؟!
على المنظمات المدنية المحلية والدولية الموجودة داخل مناطق سيطرة تنظيم داعش وحزب الاتحاد الديمقراطي العمل على ضرورة توفير ورشات تدريب تأهيلية وبرامج توعوية وتربوية للأطفال، توفّر لهم الحماية النسبية من برامج العسكرة والأدلجة التي يقدمونها عبر مشاريعهما يساعدهم على ذلك الأحزاب والحركات، وكذلك تأمين برامج إرشادية موجّهة للوالدين، من أجل توعيتهم على كيفية التعامل مع الأطفال المعرّضين لمشاهد العنف والقتل بصورة عامة، والأطفال الذي يشاهدون أو يُشاركون في الجرائم.
والأهم الوقوف بشكل جدّي وجريء في وجه هذه السياسة الخطيرة ومخططيها ومنفذيها ومستفيديها، الذين لا يكلّون ولا يملّون في غسل أدمغة الأطفال، وحمايتهم من سلطات الأمر الواقع والجماعات الإرهابية المتطرّفة والمسلحة، بالمشاركة الفعالة وجعلها محور عمل الجميع، حتى لا ينحرف ويُدمّر الطفل بين التجنيد والتسييس.

ولإنهاء الصراع الطائفي والإقليمي القائم في سوريا يجب اتخاذ خطوات جدية من المعارضة السورية ورموز النظام التي لم تتلطّخ أيديهم بنزيف الدم السوري، والتعاون مع المجتمع الدولي بصورة حثيثة لدعم السوريين في حقهم لإقامة دولة مدنية علمانية تحترم حقوق الأقليات، بالاعتراف الرسمي والدستوري بحقوق الشعب الكوردي وفق حق تقرير المصير.