ضعنا بين اﻷرجل ؟

2016-06-03

محمد دلي حسين*
هكذا يقول المثل الكُردي عن حالة إنسان ضمن أحداث لا رأي له فيها ولا دور , تتقاذفه اﻷحداث والصراعات هنا وهناك, فهو غالبا ما يكون رغما عنه موال لهذا ومتهم من ذاك , وموضع تشكيك وتخوين وابتزاز ,
هي مقولة غالبية السوريين في كل مكان ومقولة الكُرد منهم خاصة, ولسان حالنا يقول:
عانينا تفاصيل سياسة الاقصاء . ودفعنا الضريبة فيها راضين مقتنعين على أمل الوصول إلى مستقبل حر وكريم , وككُرد دافعنا عن الوجود والحق الكُردي تجاه سياسة الصهر القومي العربي (الذي انتهجته سياسة البعث) وكان علينا كذلك ثمنه المعروف , وعندما انطلقت الثورة السورية نشطنا للخلاص من الاستبداد والاقصاء، فتطورت الأحداث لتتقاذفنا هنا وهناك نزوحاً وتشريداً وتهجيراً و وووو , وباسم الثورة تعرضنا للاتهام والتشكيك بكل الوانه بالجملة والمفرّق , باسم الثورة لقينا نصيبنا من الاعتقال والاهانة والضرب والاذلال ( وهو معروف ) وباسم الكُرد استمرت المعاناة والتعرض لنا (وهو كذلك معروف ) وكل قارئ يستطيع الاستدلال والحديث عن كم هائل من الحالات والامثلة في هذا المجال , هكذا أصبحنا, وكما يُقال: الذي مات أو استشهد فقد راح وأرتاحَ، ولكن نحن بقينا نتعرض لكل مخاطر الخراب وأنواع العذاب!
كان النظام يمارس استبداده بأشكاله المعروفة(وغير معروفة) ويقبض على أرواح ومصائر السوريين في تفاصيل حياتهم اليومية اعتبارا من فترة الطفولة وحتى مذ كانوا اجنة مرورا بمراحل التربية والتعليم في ظل ثقافةالقومية أو الأمة العربية الواحدة (والرسالة الخالدة) وتطبيقات فكر الحزب الواحد والقائد اﻷوحد وفي الخدمة العسكرية الالزامية بما عرف بالجيش العقائدي وفي التوظيف الذي يشترط موافقات امنية و نشاط سياسي واعلامي واجتماعي وعلاقات واتصالات محصورة لما يُكرّس سلطة قائمة واستفحل تأزم الوضع السوري ضمن تطور أوضاع الشرق الأوسط التي انفجرت وهي في طريقها لفظائع اكبر على الصعيد العالمي إنْ أستمرَ التازم هكذا.
كشف الانفجار السوري عن عمق أضرار الإستبداد والتأثير الخارجي في حياة البشر وخاصة الفئات الطبقية او الاجتماعية المهمشة او المسحوقة والتي شغلت أحياء الفقر بجميع المدن كبيرها وصغيرها وفي الارياف , استفحل الفساد والإفساد في جوانب الاقتصاد والتعليم والاعلام وإدارات ومؤسسات الدولة , هذه الاضرار أساساً هي التي ساقت الاحداث نحو فوضى الحرب الداخلية
ولا نستغرب انْ كل ذلك يمكن النظر اليه من زاوية مفاعيل الإقصاء بحيث يمكن اعتبار الإنسان السوري بمثابة شجرة تعامل النظام معه كتعامل المزارع في مزرعته، يتحكّم بكل شيء فيها ويُراقبها , يضيف ما يريد , وينزع ما يريد وحتى للشجرة الواحدة يقطع غصناَ و يسمح بنمو آخر , يساعد نمو نبات ويعيق نمو نبتة أخرى , بهذه المنهجية تعامل النظام مع المجتمع والمعارضة , مع المزرعة السورية ومنها الحديقة أو الشجرة الكُردية ومنها يمكن تعليل ما آلت اليه المعارضة السورية ونشطاء الحراك السلمي والثوري وكذلك الحركة الوطنية الكُردية وتعاملت القوى الاقليمية والدولية وقد نسيت المبادئ الانسانية وتنكرت لروح وبنود عهودها ومواثيقها ونصوصها في الوضع السوري
تمزق المجتمع السوري في مستوى النظام( الذي بات أسير حلفائه )ومستوى المعارضة السورية والكُردية منها أيضا؛ فباتت أسيرة تحالفاتها او داعميها وأصبح السوريون عموما بوضع تتقاذفهم وتتجاذبهم وتنحر بهم المصالح الاقليمية والدولية بحيث بات الفاعل الرئيسي في الحدث السوري ليس سوريا
والحال .. يمكن تفسير استبدال الإستبداد الذي سبق الاحداث المنطلقة بمنتصف آذار 2011 باستبداد مركّب معقّد جديد أكثر دموية وفظاعة، وتخلفاً، ولا أُبالغ عندما أقول بأنه من الملايين النازحة واللاجئة لخارج البلد خاصة من اجيال واعمار الشباب والانتاج الاقتصادي والمعرفي التي هي ضحية الحرب المفروضة في عالم متفرج ، فيما يخص الوضع الكُردي الصورة أوضح (ربما)،ولسان حالهم في كل مكان هو انه تم حلول أمر واقع لنموذج كُردي في سوريا ﻷول مرة في التاريخ يراه مُبْهم الملامح يحمل الفكر والثقافة والممارسة اﻷحادية ـو الاقصائية التي ربما يقال عنها الحكم الكُردي المؤقت أو المرحلي بدون اسم كُردي مع توفر فرصة تاريخية للاعتراف بالكُرد كمكون حقيقي
بيد انّ اذا كانت المعارضة السورية المعروفة في اطارها المعترف به دولياً قد أضاعت البوصلة ( أو انحرفت الوجهة الحقيقية ) على الأقل بما يخص الموقف من المكون الكُردي وتاهت في معاركها الجانبية فإنّ الحركة الكُردية لا تزال عند هشاشة الحفاظ على السلم الاهلي المهدد أيضا بمعاركها الجانبية الجارية على المستوى السياسي او الحزبي ,والفاعلة ضمن مناطق الكُرد حيث في نفس الوقت تتفرغ كثيراً هذه المناطق من عوامل البقاء والبناء وخاصة بالنسبة للفئات المتوسطة وهي أكثر فئات المجتمع الكُردي البعيدة عن حالة الانخراط في الحرب والعمل المسلح وتتعرض للابتزاز في جوانب الحياة والمهنة والمعرفة فتعاني تبعات الضغط والاتهام او التشكيك سواء انْ بقت متمسكة بالوطن أو خرجت أو اخرجت منه وانتشرت في مناطق العالم وهي ملاحقة بنفس المقولات والطرق , لدرجة عجيبة وغريبة حتى من نفس فئاتها وانتماءاتها السياسية واصولها السكنية وعلاقاتها الاجتماعية
اعداد كبيرة جدا (من علماء , مثقفين ,أطباء ,صيادلة , مهندسين , معلمين ,محامين , موظفين ,عاملين في الأدب والاعلام و الحرف , تجار , أصحاب الخبرات ) تشتتوا بطاقاتهم , امكاناتهم , عوائلهم في أصقاع العالم , انحرمت الحضارة البشرية منهم لسنوات على الاقل بعد خسارة الوطن لهم , يعانون تبعات الصراعات المتنوعة في البلد وقساوة التكيف والاندماج بالمجتمعات الأخرى خارجه
بقي القول انه اذا لم يكن الانسان صاحب قرار فيما يخص أسرته وأملاكه وموضع اتهام وتخوين في مسكنه ومجتمعه ناهيك عن دوره المدني أو السياسي الوطني هناك ، وتنتهك أبسط حقوقه في هذا الوطن أو المجتمع؛ والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو، ماذا يمكن أن يفعل؟ وماذا تدعى هذه الأحوال ؟
إذا لم يكن طغياناً أو استبداداً فريداً من نوعه فماذا يكون؟إلى متى سنبقى في ضياع بين اﻷرجل إنْ صح هذا الوصف ؟ متى سيمتلك السوري مفاتيح إنهاء كارثته، ويساهم في تقرير مصيره كيفما كان انتماؤه المكوني ؟
*كاتب صحفي، وأحد أعمدة الصحافة الحزبيّة الكُرديّة من كُرداغ(عفرين).