تركت روحي بين عريشة الياسمين..!

في دمشق: تركت روحي بين عريشة الياسمين..!
عمر كوجري
اقترب غيابي عن دمشق ليصير هو الأكبر، والأكثر حزناً في حياتي، فقد غادرتها قبل حوالي الثلاثة أعوام على أمل العودة السريعة لها، فقلبي لم يكن قد قرر آنذاك ترك البلد، والاستقرار في مكان أكثر أمناً بعيداً عن الحرب التي فتكت بكل ما هو جميل في دمشق وغيرها من المدن والبلدات السورية على طول البلاد وعرضها، وتأذت كل مفاصل الحياة في دمشق، الشوارع.. الرصيف الذي تعرض للتلف، الأشجار التي أعمي على قلبها وعينها، نهر بردى الذي جف ماء عينه وهو يبكي على الأحباب الراحلين، عرائش الياسمين، وداليات العنب في البيوتات الشامية، وثمار التين التي تطاولت ثمارها لتهب روحها لكل عابر سبيل.
حتى صخور قاسيون مادت، نعم مادت من لهيب النار وحرائق الدخان، وتفحم الجثث، وهدير طائرات الهليكوبتر، وجنون الطيران الحربي التابع للنظام، وصوت مدافع الهاون الأحمق، والمدفعية التي تصيب الهدف البعيد دون أن ترأف بحال الجدران السورية وما تحويها من ذكريات، وملامح عشق، وصور للأحبة وللعائلة التي فقدت بريق التآم من كانوا معاً على سفرة طعام واحدة في فناء الدار.
أخبرت عائلتي في ذلك الصباح المبكر من العام 2013 أني عائد من كردستان، وسيكون غيابي الأقصى أسبوعاً على الأكثر، كان ذلك الخروج الأول من أرض سوريا طيلة أكثر من أربعة عقود، مع أني عملت خلال وجودي في بلدي أكثر من عقدين من الزمن صحفياً صريحاً تارة، ومستتراً" مختفيا .. متخفياً " تحت أسماء سرية عديدة خوفاً من بطش استخبارات النظام على خلفية الكثير من المقالات والتقارير "النارية" خصوصاً في عهد اشتعال نار الثورة على الطغيان الاستبدادي، والتي أضرمت في درعا أقصى الجنوب السوري، حيث ما اعتقد أحد أن يثور أهل درعا على نظام بعثي كانوا من أعمدة قوته طوال وجوده في السلطة البعثية التي جاءت على ظهر دبابة الانقلاب غير الأبيض بالتأكيد.
ودّعت أطفالي، وقبلتهم، واحتضنتهم، وقلت لزوجتي: في الثلاثاء القادم أرنُّ جرس المنزل، لوّحت لهم بيدي وعيني المتعبة، حملت حقيبتي، وجهاز اللابتوب، وتوجهت لكراج حرستا، كان " قطيع" الباصات زاحماً، كان سوريا وقتها تتنفس قليلاً، الطريق من دمشق حتى تدمر بيد النظام، ومن تدمر حتى الرقة وبعدها بيد الفصائل الإسلامية، ومن حدود الحسكة حتى قامشلي بيد النظام" آنذاك" لم تكن طرق المواصلات البرية مقطوعة على آخرها، في الباص ونحن نمرُّ بحرستا شاهدت بعيني حجم الدمار الهائل الذي لحق بالأبنية، وبعضها صار عاليها سافلها، انقبض قلبي من جسامة التوحش ذاك، وفي الطريق التهيت بالتدقيق اللغوي لرواية" غير حلوة" على لابتوبي متناسياً أني في بلد الحرب، وعلى مفرق حاجز القلعة بتدمر سحبني" أحدهم مع لابتوبي، وبعد خروجي من تدمر في ما يشبه المعجزة، كان يجب أن أشارك في مؤتمر " مثقفي غرب كُردستان دعماً للثورة" ف هولير، ووصلت في آخر ساعتين من المؤتمر وسط قلق وذهول الزملاء.
للآن أنا في كُردستان، وفي كل لحظة قلبي يدقُّ هناك.. في دمشق رغم حرائقها، لا تمرُّ ليلة إلا وأحلم أني أسير في طرقات دمشق، وأخفي حنيني تحت كثافة الشجر في حديقة" تشرين" وأرى بردى وقد فاض ماؤه، وأرى قاسيون العجوز.. وقد صار عالياً .. عالياً.
في كل ليلة.. أبحث عن روحي التي ضاعت بين عريشة الياسمين، وأعلم أن لا بلاد تقوى على حمل جنوني غير دمشق.. لا بلاد تفتح لي قلبها كدمشق. لها قصائدي وشوقي.