المواطن سيدفع ثمناً باهظاً..

دكتور مسلم طالاس لـ"برجاف" :هناك مؤشرات عالية من تداول العملات الأجنبية محل العملة المحلية في الداخل السوري
برجاف |دليار البوزان
جريدة برجاف(27) 22 أيار 2016

استبعد خبير المال والأعمال الدكتور مسلم طالاس تجنيب السوريين تداعيات هبوط العملة إلا بهوامش بسيطة، وعزا طالاس في حوار أجرته جريدة " برجاف" معه السبب ذلك إلى " أن المواطنين السوريين موزعين بين عشرات السلطات المحلية الحاكمة في الفترة الراهنة، ولكل منطقة خصوصيتها الجغرافية والسياسية التي تنعكس اقتصادياً على معيشة المواطن".
تمر الليرة السورية في أسوأ حالتها فقد وصل سعر صرف الليرة أمام الدولار إلى حدود فوق 600 ليرة سورية للدولار الواحد .
ونوّه الدكتور طالاس أنّه بشكل عام يجب تخليص تدخلات البنك المركزي في سوق العملة من الفساد المتأصل فيها، وكذلك العمل على زيادة الحصص التموينية العينية التي توزع على المواطنين، ربما كان ممكناً التوجه إلى الذين يحكمون المناطق المنفصلة في سوريا من أجل تسهيل مرور المواد الغذائية، وقال طالاس"المواطن سيدفع ثمناً باهظاً، ومن الصعب تجنبه من تداعياته إنْ لم تتوقف الحرب".حول وضع العملة الوطنيّة وحال المواطن وعن تداعيات سقوط مكانة ليرتنا السوريّة كان لـ"برجاف" الحوار أدناه مع الخبير الاقتصادي الدكتور مسلم طالاس:
ما هو وضع الليرة السورية الآن ؟
ــ الليرة السورية هي في حالة الهبوط المستمر، على المدى الطويل وعلى المدى القصير. تعتمد العملة على ثقة الناس بها، وهذا يعتمد على قوة الاقتصاد والاستقرار السياسي والإداري, وهذان مفقودان في سوريا. فقدت الليرة السورية أكثر من 40% من الدور الذي يمكن أن تلعبه عملة في بلد ما. فهي فقدت وظيفة مخزن القيمة تماماً، وجزء كبير من وظيفة وحدة الحساب والتسعير وكذلك جزء كبير من وظيفتها كوسيلة للتبادل. هناك مؤشرات عالية من تداول العملات الأجنبية محل العملة المحلية في الداخل السوري ،يمكن القول أن العملة السورية لم تعد مبررة اقتصادياً بقدر ما هي مبررة سياسياً، فوجود الحكومة السورية الرسمية في السلطة والاعتراف الدولي بها ودفعها لرواتب الموظفين والكثير من النفقات الحكومية هو ما يبرر استمرار العملة السورية في التداول، أي إنها في التداول لمبرر سياسي.
هل هناك احتمال تدهور حالتها للأسوأ ؟
ــ كما قلت الليرة السورية في حالة هبوط مستمر، وباتجاهين طويل الأجل وقصير الأجل. الاتجاه الطويل الأجل مرتبط بالحالة الاقتصادية العامة لسورية ومستوى التصدير، وهي سيئة جداً كما نعلم. فالناتج المحلي تراجع بنسبة لا تقل عن 60% بسبب الحرب وكذلك تقترب الصادرات من الصفر، بمعنى المسار الطبيعي الطويل الأجل لليرة السورية هو الهبوط. أما الاتجاه القصير الأجل فيتعلق بدرجة عدم التأكد حول الوضع السياسي والعسكري في سوريا، أي أنه كلما ازدادت درجة عدم التأكد حول الوضع السوري تنخفض الليرة. وهذا ما نشاهده في موجات الهبوط الحاد القصيرة الأجل في الليرة. حيث نلاحظ أنه مع كل حدث عسكري أو سياسي نوعي لمصلحة السلطة أو المعارضة طبعاً هذا الحدث يرفع من درجة عدم التأكد تنخفض الليرة بدرجة حادة على المدى القصير. هذا يعني أن الأسوأ قادم بالتأكيد.
هل يمكننا القول بأن الليرة السورية قاومت كثيراً المنعطفات المستمرة ،وهذه مؤشرات تدل على قوة العملة السورية ؟
ــ قاومت الليرة السورية الموجات القصيرة الأجل للهبوط بالاستفادة من كمية الاحتياطيات الضخمة من العملات الأجنبية التي كانت موجودة لدى البنك المركزي قبل بدء الثورة السورية عام 2011 والحرب الأهلية لاحقاً. حيث كانت تقدر تلك الاحتياطيات بمبلغ 20 مليار دولار. استخدمت هذه الاحتياطيات من قبل البنك المركزي في التدخل في سوق الصرف للحد من موجات الهبوط الحادة القصيرة الأجل. ونظرا لكثرة موجات الهبوط وعدم التعويض بسبب توقف الصادرات استنزف ذلك الاحتياطي، وقدر مؤخراً من قبل البنك الدولي بأقل من مليار دولار، وهذا مبلغ لا يمكن أن يدعم الليرة في مواجهة موجات الهبوط القادمة ،هذا يعني أن العملة السورية لم تكن قوية وليست قوية الآن وهي تزداد ضعفاً.
كيف استطاعت الليرة السورية المقاومة في ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة التي تشهدها سوريا، وتجنبت الانزلاق الكبير،هل ضخ العملة من قبل حلفاء النظام أم من احتياطي الذهب أو الاعتماد على الاقتصاد المتنوع ؟
ــ كما أشرت سابقاً تم استخدام احتياطات العملات الأجنبية لدى البنك المركزي وبعض المبالغ التي قيل أن الحلفاء قدموها لسوريا . لكنها كانت مفيدة في مقاومة الموجات القصيرة الأجل للهبوط، أما الموجات الطويلة للهبوط المرتبطة بالحالة الاقتصادية العامة فلا يمكن أن يوقفها سوى توقف الاقتصاد عن التدهور بسبب الحرب وعودة الصادرات. أما الحديث عن التنوع في الاقتصاد السوري، فهو غير واقعي . الاقتصاد السوري كان يعتمد على الزراعة والصناعات الإستخراجية بدرجة كبيرة، وكان هناك ضعف كبير في الصناعات التحويلية والخدمات الحديثة، وهذا مؤشر لأحادية الاقتصاد وليس تنوعه.
كيف يمكن تجنب السوريين من تداعيات سقوط مكانة العملة السورية؟
ــ لا يمكن تجنيب المواطنين تداعيات هبوط العملة إلا بهوامش بسيطة، كما نعلم أن المواطنين السوريين موزعين بين عشرات السلطات المحلية الحاكمة في الفترة الراهنة، ولكل منطقة خصوصيتها الجغرافية والسياسية التي تنعكس اقتصادياً على معيشة المواطن. لكن بشكل عام يجب تخليص تدخلات البنك المركزي في سوق العملة من الفساد المتأصل فيها، وكذلك العمل على زيادة الحصص التموينية العينية التي توزع على المواطنين، ربما كان ممكناً التوجه لأمراء في سوريا من كل الأطراف من أجل تسهيل مرور المواد الغذائية في المحصلة المواطن سيدفع ثمناً باهظاً، ومن الصعب تجنبه من تداعياته إن لم تتوقف الحرب.
في حال سقوط النظام ،كيف ستكون وضع العملة المحلية ؟
ــ الأمر يعتمد على سيناريو السقوط ، إن كان بموجب اتفاقيات مضبوطة سيستمر الهبوط السلس على المدى الطويل، مع وجود بعض الموجات القصيرة والحادة ريثما يستمد الاقتصاد عافيته. أما إن حدث انهيار ما من داخل النظام أو هجوم من فصائل المعارضة على العاصمة والسيطرة عليها في هذه الحالة سيكون الهبوط مريعاً، وقد يحدث للعملة السورية ما حدث للعملة العراقية بعد التدخل الأمريكي.