صلاح الدين محمد الرجل الذي أحب دمشق ... فقتلته

2016-05-06

د.آزاد أحمد علي
برجاف-العدد (26) 7أيار 2016
بإلحاح شديد وبرغبة جنونية جامحة كعادته، وبطلب يشبه الأمر... اتصل بي فاروق قبل قليل وأنا اعمل صباح الجمعة في المكتب بضواحي أربيل، في اتصال مستعجل: أريد أن تكتب مئة كلمة عن صديقك الراحل صلاح الدين محمد.
يصعب كتابة هذه الكلمات التعريفية القليلة بشخصية ثقافية استثنائية عرفتها صادقتها منذ ربع قرن، ومع ذلك سأحاول أن أسرد بعض الجمل التي هي بمثابة عناوين.
ولد صلاح الدين محمد عام 1949 في منطقة جبل الكورد (بريف عفرين)، وهو ابن الأستاذ خليل محمد، الذي كان أول من حصل على البكالوريا في جبل الكورد بحسب رواية المرحوم صلاح الدين.أي أنه نشأ في بيئة كوردية أصيلة ومثقفة. سافر في نهاية ستينات القرن الماضي إلى تركيا ليدرس الجامعة فيها، لكنه عاد بعد فترة، دخل قسم العمارة بكلية الهندسة جامعة حلب، وحيث أنه اصطدم مع أستاذنا المشترك الصعب المراس الدكتور علاء الدين لولح، تأخر تخرجه إلى عام 1976 على الرغم من تفوقه، ورؤيته البصرية الفنية الاستثنائية.
برزت موهبته الأولى في مجال النقد الفني، فكتب لسنوات طويلة في حقل النقد التشكيلي، وساهم في مؤتمرات وبيناليات دولية عديدة، كما ساند وصنع صعود عدد من أهم فناني سورية، يعد واحد من مؤسسي النقد الفني الممنهج في البلاد العربية.
لدرجة أن أفشى يوما لي بسر حول المرحوم عمر حمدي... قال لي هل تعرفه؟ قلت لا، فأسهب: كان فنانا متواضعا لكنه قوي الريشة، كان فقيرا يعمل عاملا في فندق الرضوان بدمشق، ساعدته عمليا، ساندته فنيا وإعلاميا فصعد... وهمس، هل تعلم أنا من أطلقت عليه لقب (الفنان العالمي) عبر الدراسات النقدية، ومشي الموضوع بسهولة! لهما الرحمة، وقد صدقته تماما، لأنه كان صادقا ومخلصا لأصدقائه، فقد عمل ما هو أكثر وأهم.
انتقل إلى دمشق مبكرا وأحبها بجنون، دخل حقل التلفزيون والاعلام، أنجز حوالي مائة فلم وثائقي، حصلت أغلبها على الجوائز التقديرية. اهتم بالفن القديم والاستشراقي وخاصة الغرافيك وذلك بحرفية وأدوات أكاديمية رصينة. أحب التصوير الضوئي وعمل العديد من الأعمال لوزرات السياحة والآثار وأخير المتحف البريطاني. ألف كتب مصورة عديدة( بلغة بصرية متقدمة) مثل كتاب عن دمشق الجديدة، أي مشروع دمر...
قبل أكثر من سنة طلب مني تأمين عمل له، حصلت له على فيزا إلى كُردستان، بعدها غير رأيه قائلا لا أستطيع مغادرة دمشق، أنني تعودت على دمشق وبيئتها، قبل شهرين اتصل بي طالبا تأمين فيزة علاج له إلى ألمانيا، بناء على طلبه استعنت بصديقنا المشترك الأستاذ عدنان المفتي، اتصلنا معه هاتفيا بشكل مطول، لم نتمكن من تأمين علاج سريع له خارج دمشق، لكن كانت الهموم ودخان السجاير قد أحرقت رئته تماما ومنذ فترة طويلة. قبل أسابيع دخل مشفى مواساة الخيري، كان يواصل الاتصال بي نتحدث ونخطط وكأننا سنعيش لسنوات طويلة، لكنه رحل، تركنا نعاني من فقدان الأحبة المبكر،لقد مات العزيز صلاح سريعا في دمشق التي خدمها بهدوء، كتب عنها وأحبها بصدق، فردت دمشق الجميل على طريقتها، بطلب (موت العظماء المبكر في سبيل استمرار مجدها وخلودها)؟!