خارطة الإسلام السياسي الكردي والموقف من داعش!

لم يجد هذين التنظيمين التكفيريين الـ(نصرة،داعش) تلك الحاضنة الشعبيّة بين الكرد، بل وجداها بين العرب الذين استقدمهم النظام السوري من محافظات الرقة وديرالزور إلى المناطق الكرديّة، في سياق مشروع الحزام العربي الذي أطلقه النظام سنة 1974، بهدف إجراء تغيير ديموغرافي في المناطق الكرديّة وتعريبها. كما انتسب الى "داعش" و"النصرة" بعض العناصر العربيّة، من سكّان تلك المناطق الأصلاء أيضاً.
برجاف|معهد العربية للدراسات - هوشنك أوسي
وجود الكرد في أربعة بلدان؛ تركيا، العراق، إيران وسورية، أثّرَ في اختلاف أمزجتهم وحساسيّتهم حيال تبنّي الإسلام السياسي منهجاً وسبيلاً لحلّ القضيّة الكرديّة. فصحيح أن رجال الدين أو بعض شيوخ الطرائق الصوفيّة، والشعراء الكرد المتصوّفة (علي حريري، الملا جزيري، أحمد خاني، فقي تيران، حاج قادر كوئي...)، ساهموا في تأسيس الوعي القومي والثقافي الكردي، من زاوية دينيّة، وصحيح أن بعض رجال الدين، قادوا الانتفاضات الكرديّة، كانتفاضة الشيخ عبيد الله النهري سنة 1880، الشيخ عبدالسلام بارزاني سنة 1914، الشيخ محمود الحفيد سنة 1919، انتفاضة الشيخ سعيد بيران سنة 1925، انتفاضة الشيخ احمد بارزاني سنة 1932، انتفاضة الكرد العلويين في محافظة ديرسم الكرديّة في تركيا سنة 1937...، إلاّ أن الحياة السياسيّة الكرديّة كانت خاليّة من الإسلام السياسي، المعتدل والمتطرّف، حتى نهاية السبعينات في كردستان تركيا، وقبل سنة 1987 في كردستان العراق. في حين أن كردستان سورية، ومنذ 14/6/1957 تاريخ تأسيس أوّل حزب سياسي كردي سوري، ولغاية الآن، لا يوجد أي حزب أو جمعيّة ثقافيّة أو اجتماعيّة...، ذات هويّة دينيّة إسلاميّة، تنشط بين الكرد السوريين. وفي الآونة الأخيرة، بخاصّة بعد تمدد واشتداد تنظيم "داعش" الإرهابي في سورية والعراق، بات التطرّف الإسلامي يهدد الكرد في سورية والعراق من الداخل والخارج، فبالإضافة إلى الهجمات التي يشنّها "داعش" على المناطق الكرديّة في سورية والعراق، تتوارد الأخبار عن انتماء عدد لا بأس به من الشباب الكردي في تركيا والعراق إلى تنظيمات إسلاميّة جهاديّة - تكفيريّة كـ"داعش" و"النصرة" للقتال في سورية والعراق، ضدّ أكراد هذين البلدين!.
وتبنّت التنظيمات الإسلاميّة الكرديّة العراقيّة الرسميّة، المشاركة في العمليّة السياسيّة داخل كردستان والعراق، موقف قيادة الإقليم القاضي بضرورة مواجهة "داعش" عسكريّاً وإعلاميّاً، كالاتحاد الإسلامي الكردستاني، بزعامة صلاح الدين محمد بهاء الدين، والجماعة الإسلاميّة بزعامة علي بابير (1). في حين أنه لا توجد تنظيمات إسلاميّة بين كرد سورية، كما ذكرنا، والموجود بعض الشخصيات الإسلاميّة، كالشيخ مرشد الخزنوي، نجل الشيخ محمد معشوق الخزنوي، كلها تندد بـ"داعش" وتدعو إلى محاربتها. بينما يقتصر قتال "داعش" بين كرد سورية على حزب الاتحاد الديمقراطي (الفرع السوري للعمال الكردستاني).
وهذه الدراسة، هي محاولة لمعرفة جذور وخلفيّات تنامي التيّار الإسلام السياسي المعتدل والمتطرّف بين الكرد، علماً أن السمة الغالبة لأحزاب الحركة السياسيّة الكرديّة في تركيا، العراق، إيران وسورية هو الطابع العلماني، القومي - اليساري.
الكرد والإسلام
تشير العديد من المصادر التاريخيّة إلى أن الكرد، قبل دخول الإسلام بلادهم، لم يكونوا وثنيين، بل متديّنين، معتنقين الديانة الزراداشتيّة التي تؤمن بثنائية الإلهة (الخير - آهورامزدا، والشر - أهريمان). وأن الإسلام دخل كردستان (بلاد الأكراد) على زمن الخليفة عمر بن الخطاب، بقيادة عياض بن غنم سنة 18 هـ/ 640 م، بشكل سلمي، دون حدوث حروب طاحنة بين الطرفين، ما يعني أن الكرد كانوا مهيّئين روحيّاً لاعتناق الدين الجديد. وغالبية الكرد مسلمون سنّة - شافعيّة، ومنهم شيعة وعلويين وإيزيديين وكاكائيين وشبك ومسيحيين ويهود. وللكرد مساهمات كبيرة في التاريخ والحضارة الإسلاميّة، حيث ظهر منهم قادة وعلماء وفقهاء وفلاسفة وشعراء ومؤرّخين...، كـ"الصحابي جابان أبو ميمون الكردي، أبو مسلم الخرساني، أسد الدين شيركوه، صلاح الدين الأيوبي، ابن تيميّة، ابن خلكان، ابن صلاح الشهرزوري، أبو حنيفة الدينوري، ابن الحاجب، ابن الأثير، أبي الفداء، أبي القاسم الجنيد، السهروردي، خالد النقشبندي، ابن فضلان، ابن شداد، ابن النديم، عبدالرحمن الكواكبي، بديع الزمان النورسي، أحمد شوقي، قاسم أمين...". (2).
في كردستان العراق
التركيبة العشائريّة والقبليّة كانت وما زالت السمة الغالبة والمؤثّرة في النسيج الاجتماعي الكردي. وإلى جانب انتشار التكيّات والمشيخات الصوفيّة، كالقادريّة والنقشبنديّة بين الكرد، ما زال هنالك عادات وتقاليد اجتماعيّة كرديّة متوارثة، تعود بجذورها إلى معتقدات وديانات، غير إسلاميّة، كان الكرد عليها سابقاً. في حين أن كبار الشعراء والأدباء الكرد كانوا من المتصوّفة كـ"بابا طاهر الهمذاني، علي حريري، أحمد خاني، ملا جزيري، فقي تيران، نالي، حاج قادر كوئي...". وعليه، كان وما زال الاعتدال هو السمة الغالبة على التديّن الإسلامي في المجتمع الكردي.
سياسيّاً، عشيرة بارزان التي ينتمي إليها رئيس إقليم كردستان العراق، مسعود بارزاني، كان وما زال لها دور بارز في قيادة الحركة التحرريّة الكرديّة في العراق. ورغم أنها، تتبع الطريقة الصوفيّة النقشبنديّة، إلاّ أنها لم ترجّح كفة الدين في العمل السياسي. فصحيح أن الزعيم الكردي ملا مصطفى بارزاني (1903-1979) كان متديّناً ويكنّى بـ"الملا"، وهو لقب ديني عند الكرد، إلاّ أن ميل بارزاني القومي وتديّنه لم يمنعه من الذهاب إلى روسيا الشيوعيّة - الستالينيّة، بعد انهيار جمهوريّة كردستان في مهاباد (كردستان إيران) سنة 1946، بقصد طلب المساعدة من الاتحاد السوفياتي السابق. وحين لم يلقَ تجاوباً، اتجه نحو الاتصال والعلاقة مع الغرب وأمريكا.
الأخوان المسلمون:
لم يجد الإسلام السياسي لنفسه موطئ قدم في الحراك السياسي الكردي العراقي، كتنظيم حزبي، مع أن الأخوان المسلمين كانوا متواجدين في كردستان، مطلع الخمسينات، والستينات وحتى مطلع السبعينات، ويتبنّون التوجّه الدعوي التربوي، بقيادة عائلة الشيخ عثمان بن عبدالعزيز، وتحديداً في مدينة حلبجه على الحدود العراقيّة - الإيرانيّة. ثم اتجه الأخوان إلى حلّ التنظيم في مدينة السليمانيّة سنة 1971، بينما رفض الأخوان في أربيل ذلك. وفي سنة 1987، حين أعلن الشيخ عثمان عبدالعزيز عن تأسيس الحركة الإسلامية المسلحة، ودخل في صدام مسلح مع الاتحاد الوطني الكردستاني سنة 1993، على إثره، اعتقل عبدالعزيز، ما أدّى إلى انسحاب قواته إلى إيران. وبعد توسّط طهران بين الجانبين، عاد مقاتلو الحركة الإسلاميّة إلى كردستان. وأثناء الاقتتال الكردي - الكردي في كردستان (1994 - 1998) شاركت الحركة الإسلاميّة إلى جانب الحزب الديمقراطي الكردستاني ضد الاتحاد الوطني الكردستاني. وأيضاً تدخّلت طهران لتخرج الحركة الإسلاميّة من القتال، بعد عقد صفقة مع الاتحاد الوطني، بموجبها دخلت الحركة في الحكومة المحليّة التابعة للاتحاد، التي كان مقرّها مدينة السليمانيّة حينئذ. وبعد وفاة زعيم الحركة، خلفه شقيقه علي عبدالعزيز في القيادة. واندمجت الحركة الإسلاميّة مع حركة النهضة الإسلاميّة في 21/8/1999، وشكلتا تنظيماً جديداً باسم حركة الوحدة الإسلاميّة في كردستان، بقيادة علي عبدالعزيز. انشقت عنها مجموعة من القيادات في 30/5/2001، وأسست الجماعة الإسلاميّة في كردستان بقيادة علي بابير. بينما تأسس الاتحاد الإسلامي الكردستاني في 6/2/1994 بقيادة صلاح الدين محمد بهاء الدين، وشارك في الانتخابات المحليّة التي شهدها الإقليم الكردي سنة 1992، إلى جانب الحركة الإسلاميّة بقائمة موحّدة، إلاّ أنها لم تتجاوز الحاجز الانتخابي، الذي يخوّلها دخول البرلمان.
الاتحاد الإسلامي الكردستاني:
قياساً بتنويعات الحركة الإسلاميّة الكرديّة الأخرى، يجنح الاتحاد الإسلامي الكردستاني نحو الاعتدال ورفض حمل السلاح. إذ يذكر في نظامه الداخلي: "الإرهاب والتطرف منافيان لروح الإسلام، ومصدران مهددان لحياة الشعوب في العراق وإقليم كردستان". و"حرية المعتقد والدين من الحقوق الأساسيّة للإنسان، يجب ضمانها وفق القانون.". ويرى الاتحاد الإسلامي الكردستاني أن "التعدديّة القوميّة والدينيّة والمذهبيّة والسياسيّة في كردستان، عنصر قوة وإثراء لشعب كردستان في ظل التعايش والتسامح". ويرفض "الانغلاق باسم الأصالة، والذوبان في الآخر باسم الحداثة".
على الصعيد الكردي، يذكر الاتحاد الإسلامي الكردستاني في برنامجه أنه يناضل من "أجل تحقيق الحقوق المشروعة للشعب الكردي والتي تتجسد في هذه المرحلة في إقرار الفدرالية وغيرها من الحقوق وتثبيتها في الدستور الدائم والعمل من اجل إزالة آثار سياسة التعريب والتهجير والترحيل، وتعويض ذوي ضحايا النظام البعثي كضحايا القصف الكيمياوي وغيرهم. والعمل من اجل تقوية دور برلمان كردستان والدفاع عن القضيّة الكرديّة أمام الرأي العام في المحافل العربيّة والإسلاميّة والعمل من أجل إقامة علاقة متوازنة بين الشعب الكردي والشعوب المجاورة، والحفاظ على الهويّة القوميّة والقيم العليا للمجتمع أمام الوجه السلبي لتيار العولمة".
عراقيّاً، يدعو الاتحاد الإسلامي الكردستاني إلى "مشاركة في بناء عراق ديمقراطي فدرالي برلماني تعددي موحد والعمل على إنهاء الإرهاب والعنف ورفض ومناهضة الاستعلاء القومي أو المذهبي أو أي شكل من أشكال التسلّط والتفرّد في عراق المستقبل والعمل على إعطاء الأولويّة في مجال تخصيص الميزانيّة الوطنيّة للمناطق الأكثر تضرراً في ظل النظام الدكتاتوري السابق". ويطالب الاتحاد بالعمل وفق مبدأ "فصل السلطات، والقضاء على ظاهرة الفساد المالي والإداري والسياسي. وإقرار مبدأ المساواة في المواطنة والعمل على تحقيق استقلالية واحترام القانون".
وبخصوص المرأة، يذكر: "الرجل والمرأة مكملان لبعضهما البعض، ومتساويان في الحقوق والكرامة الإنسانية". ويدعو إلى "إلزام الحكومة بمراعاة خصوصيّات المرأة في مجال التعيين وساعات العمل والإجازات وإجازة الأمومة والتقاعد. ومحاربة التقاليد والعادات الاجتماعيّة الخاطئة ومواجهة ومنع كافة أساليب العنف والعقوبات غير القانونيّة، وتطوير أساليب الرعاية للنساء المسنات وذوات الحاجة والمريضات، وتوعية وتشجيع المرأة للمشاركة الفعالة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.". (3).
ويظهر من النظام الداخلي للاتحاد الإسلامي الكردستاني أنه حزب محافظ، يؤمن بالعمل الديمقراطي والمدني، أكثر من كونه فرع جماعة الأخوان المسلمين في كردستان العراق. إذ لا يدعو إلى إقامة دولة الخلافة، ولا يرفع شعار "الإسلام هو الحل".
جماعة أنصار الإسلام:
جماعة "أنصار الإسلام"، فتعتبر أكثر التنظيمات الإسلاميّة الكرديّة العراقيّة تطرّفاً، تأسست في كانون الثاني سنة 2001، بعد اندماج جماعة "جند الإسلام" بقيادة أبو عبدالله الشافعي مع مجموعة بقيادة نجم الدين فرج أحمد (ملا كريكار، يقيم في النرويج منذ 1992)، وكلتا المجوعتين انشقتا من الحركة الإسلاميّة في كردستان. وأشارت الكثير من التقارير الإعلاميّة إلى أن جماعة أنصار الإسلام، مرتبطة بالقاعدة، وأن زعيمها كان مقيماً في باكستان وعلى علاقة بعبدالله عزام وأسامة بن لادن. وأن القصف الجوي الذي طال معاقلهم في المناطق الجبليّة الوعرة على الحدود العراقيّة - الإيرانيّة جعل التنظيم يتشتت، ويتوزّع المتبقّي منه على الجماعات الإسلاميّة العراقيّة المتطرّفة كجماعة "أنصار السنّة". ولكن زعيم "أنصار الإسلام" ملا كريكار، ينفي أيّة علاقة لهم بالقاعدة، ويعرّف نهج جماعته بأنها مزيج من التوجّه الأخواني والسلفي الجهادي. ويشير إلى أن القصف الأمريكي سنة 2003 لم يستهدف جماعته بل استهدف جماعة "جند الإسلام". لكن الأخيرة، حين استهدفها القصف الأمريكي كانت جزءاً من "أنصار الإسلام". (4).
الانشقاقات والمسارات:
مع الانشقاقات التي ضربت جسم الإسلام السياسي الكردي العراقي، بزر الاتحاد الإسلامي الكردستاني كقوة سياسيّة ثالثة في إقليم كردستان العراق بعد الحزبين الرئيسيين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني. وبعد تنامي شعبيّة حركة كوران، المنشقة عن الاتحاد الوطني، تراجع الاتحاد الإسلامي إلى المرتبة الرابعة.
وسعى الحزبان الكرديان الرئيسان إلى إشراك الإسلاميين في العمليّة السياسيّة الكرديّة، ومنحوهم وزارة أو اثنتين، ما كان يعتبره الإسلاميون هضماً لحقوقهم، وإجحافاً لهم. شارك الاتحاد الإسلامي في تشكيل التحالف الكردستاني، وبعد انسحابه منه، سعى التحالف إلى ضمّ الجماعة الإسلاميّة بزعامة علي بابير. تزايد صعود الأحزاب الإسلاميّة في الانتخابات البرلمانيّة التي شهدها الإقليم الكردي في أيلول الماضي، بحصولها على 17 مقعد من أصل 111 مقعد. (5).
بالإضافة إلى هذا الصعود الجماهيري والسياسي للتنظيمات الإسلاميّة في كردستان العراق, ازدادت التقارير الإعلاميّة حول انتماء المئات من الشباب الكردي العراقي إلى تنظيمات تكفيريّة كـ"داعش" للقتال في سورية والعراق (6). بينما يرى الكاتب والباحث الكردي العراقي علي سيريني أن الإسلاميين لم يتحولوا الى بديل قوي للحزبين الكرديين الرئيسين، لأسباب عديدة:
1. عدم ارتقاء مستوى علاقاتهم مع دول الجوار. فالدولة الوحيدة تقريباً والتي كان الاسلامييون يقدرون التماس معها كانت ايران. إلا ان الخلاف السني الشيعي تحول الى عائق كبير منذ البداية. وبقي الحزبان المذكوران الأقرب الى ايران.
2. عدم النضوج الحركي والسياسي لدى الإسلاميين للتصدي للواقع وفق متطلبات المرحلة الضرورية.
3. الفقر المالي الذي عاناه الاسلامييون.
4. الافتراق والخلافات الداخلية وعدم العمل وفق استراتيجية مدروسة وحكيمة.
ويضيف سيريني: "شكّل الاتحاد الإسلامي الكُردستاني فقد شكل طفرة نوعية ليس على مستوى الإسلاميين فحسب بل على المستوى السياسي العام, بسبب تكوينه المدني البعيد من التسلح والعنف". ويذكر أن ممارسة الاتحاد الإسلامي "السياسة في ظل وتأثير الحزبين الكُرديين تُعيق تطوره ونموه نمواً سليماً". (7)

إعلام الإسلاميين الأكراد
وللتيّارات الإسلاميّة الكرديّة العراقيّة العديد من قنوات التلفزة والإذاعات والمواقع الالكترونيّة وحراك نشط على مواقع التواصل الاجتماعي. وليس تصاعد المدّ الإسلامي في المنطقة، بعد أحداث 11 أيلول، هو السبب الوحيد في تنامي حضور الإسلام السياسي في كردستان العراق، بل ثمة عوامل أخرى، كانت وما زلت، تعلب دوراً هاماً في انتعاش هذه الظاهرة، يأتي في مقدّمتها انتشار الفساد المالي والإداري في كردستان وتورّط جزء هام النخبة الحاكمة في هذا الفساد. ويرى كُثر أن "داعش" إذا دخلت كردستان العراق، فإنها ستجد حاضنة جماهيريّة في مناطق عدّة من كردستان، بخاصّة في حلبجة وزاخو وأربيل ودهوك، كردّة فعل على الفساد المستشري في الإقليم الكردي. وسبق لكاتب هذه الأسطر أن حذّر من النتائج الوخيمة لظاهرة الفساد، وتعزيزها فرص تصاعد الحركات الإسلاميّة الكرديّة، وذلك في مقال نشرته صحيفة "الحياة" يوم 25/2/2007، بعنوان: "الفساد يهدد كردستان العراق"، حيث ذكرت فيه أنه إذا لم يتم استئصال دابر الفساد، "فان تجربة الأحزاب العلمانيّة في قيادة كردستان سوف تتعرض لضربة كبيرة، لصالح انتعاش انتشار الأحزاب الإسلامية الأصولية، لأن الفقر والفساد هما أهم روافد تغذية هذا النهج المتطرف". (8)
وبقيت إيران ممسكة بزمام الإسلام السياسي الكردي العراقي، بنفس القدر الذي كانت ممسكة فيه بزمام الأحزاب العلمانيّة الكرديّة. وكان لطهران دور في الحؤول دون تقويّة شوكة الحركة الإسلاميّة، وعملت على تشتيتها كي تبقى تحت السيطرة، ويبقى نفوذها وتأثيرها ضمن حدود كردستان العراق، ولا يصل إلى الكرد السنّة في كردستان إيران.
حزب الله الكردي:
غالبية كرد تركيا، البالغ عددهم نحو 20 مليون، مسلمون سنّة (شافعيّة)، مع وجود كرد علويين، تناهز نسبتهم 20 بالمئة من إجمالي الكرد في تركيا. وتكثر بينهم المشايخ والطرق الصوفيّة، وأبرزها النقشبنديّة. ويمكن اعتبار احتكاك المفكّر والداعية الإصلاحي الكردي، بديع الزمان سعيد النورسي (1877 - 1960)، أثناء تواجده في اسطنبول سنة 1907 بالجمعيات الثقافيّة والسياسيّة الكرديّة، ومقالاته في جريدة "البركان" وتأييده للمشروطيّة، واعتقاله وأحالته إلى المحاكمة سنة 1909 بتهمة التحريض على العصيان، يمكن اعتباره أولى إرهاصات الإسلام السياسي الكردي في تركيا. لكن سرعان ما استنكف بديع الزمان وعدل عن الخوض في السياسة، واتجه نحو الإصلاح والإرشاد، مؤسساً الإسلام الاجتماعي. في حين أن زجّ الدين في السياسة بين كرد تركيا، ظهر أثناء تنسيق الشيخ سعيد بيران (1865 - 1925) مع جمعيّة آزادي الكرديّة على إعلان الانتفاضة ضدّ الجمهوريّة التركيّة، بعد تنكّر أتاتورك لوعوده التي قطعها للكرد في تركيا. فكانت الانتفاضة التي حملت اسم الشيخ سعيد بيران سنة 1925، وسحقها أتاتورك في نفس العام، وأعدم الشيخ سعيد ورفاقه شنقاً.
أوّل تنظيم سياسي كردي إسلامي في تركيا هو "حزب الله" الذي كانت المراحل الأولى لتأسيسه سنة 1979، مع انطلاقة الثورة الخمينيّة في إيران. وذلك حين اجتمع كل من حسين ولي أوغلو، المولود سنة 1951 في قرية تابعة لمحافظة باطمان، جنوب شرق تركيا، مع فيدان غونغور، عبد الله دالار، منصور غوزال سوي، وعبد الله ييغيت؛ وأسسوا "حركة الوحدة"، وما لبث أن نشب خلاف بين قادة التنظيم، فانشق ممثلها في اسطنبول حسن شنغول ومعه الرجل الثاني في التنظيم فيدان غونغور، ليؤسسا "جماعة المنزل"، نسبة إلى مكتبة "منزل" التي كان يملكها غونغور. والتحق بهم إحسان يشيلأرماك ممثل جماعة العلم في مدينة باطمان، التي تعتبر الآن المعقل الرئيس لـ"حزب الله". ويحيل البعض سبب الانشقاق إلى عدم التفاهم حول الرد على اعتداء قام به عناصر "حزب العمال الكردستاني" ضد امرأتين متحجبتين، فأصرّ ولي أوغلو على الردّ المسلّح، في حين دعا غونغور للتريّث. هذا الانشقاق أدّى إلى حدوث صدامات عنيفة بين الجناحين، "جماعة العلم"، بزعامة ولي أوغلو، و"جماعة المنزل"، بزعامة غونغور، أودت بحياة العشرات من الجانبين، وتقهقر وانكماش جماعة المنزل، (بخاصة بعد اختطاف زعيمها من اسطنبول، والعثور على جثته في باطمان)، على حساب تمدد واتساع نشاط "جماعة العلم" التي دخلت في صدامات واسعة مع مقاتلي حزب العمال الكردستاني، من سنة 1991 ولغاية 1995، أسفرت عن مقتل الآلاف. وقتئذ برز اسم "حزب الله" للعلن، أكثر من السابق. وكانت السلطات التركيّة تغض الطرف عن المصادمات العنيفة بين "حزب الله" و"العمال الكردستاني"، وبل تشير الكثير من التقارير والإفادات بخصوص قضيّة شبكة أرغاناكون المتهمة بالتخطيط لانقلاب على حكومة حزب العدالة والتنمية الإسلامي؛ أن أجهزة الاستخبارات التركيّة كانت تحرّك هذه الجماعة المتطرّفة ضدّ الكردستاني. (9)
سنة 1997 وفي سياق الحملة على الإسلاميين والإطاحة بحكومة وحزب نجم الدين أربكان (1926 - 2011)، وبعد شعور السلطات التركيّة أن "حزب الله" أنجز مهمّته ويُخشى أن يخرج عن السيطرة ويهدد الدولة، بدأت حملة اعتقالات طالت المئات من عناصر وقيادة التنظيم. اشتدت هذه الحملة، بعد اختطاف واعتقال زعيم العمال الكردستاني عبدالله أوجلان سنة 1999، حيث داهمت الشرطة التركيّة منزلاً في منطقة بايكوز في اسطنبول، كان يستخدم كمقرّ لحزب الله، وقتلت زعيم الحزب حسين ولي أوغلو في 17/1/2000، علماً أنه لم يكن مستهدفاً. وعرفت السلطات التركيّة فيما بعد أن القتيل هو ولي أوغلو، إذ لم يكن الأخير مدرجاً على لائحة المطلوبين، ما أثار الشكوك أكثر حول علاقة ولي أوغلو بالاستخبارات التركيّة، وأنها قتلته عن طريق الخطأ. وبعد أن بدأ التحقيق في جرائم شبكة أرغاناكون الإرهابيّة والتي توصف بأنها أحد أذرع "الدولة الخفيّة" في تركيا، تبيّن حجم العلاقة بين جهات في الدولة الرسميّة و"حزب الله" في إطار استهداف الكردستاني جنوب شرق تركيا. في حين ينفي الحزب بشدّة التهم الموجّهة له بخصوص علاقته مع الدولة الخفيّة وأجهزة الاستخبارات التركيّة، وصفاً نفسه بأنه حزب معارض للنظام التركي، مستدّلاً بمقتل العديد من قياداته وعناصره على أيدي الشرطة التركيّة، وأن المئات من عناصره تم اعتقالهم وسجنهم.
خلال فترة الصراع مع الدولة التركيّة وحزب الله التركي، استطاع العمال الكردستاني أيضاً استمالة الكثير من رجال الدين الكرد، ونجح في توظيفهم في نقد وتكفير وتخوين "حزب الله" والكرد المنضوين في صفوفه. وعلى سبيل الذكر لا الحصر، الشيخ عبدالرحمن التموقي الذي شارك في انتفاضة الشيخ سعيد، وفي الإعلان عن جمهوريّة كردستان في مهاباد سنة 1946، وشارك في القتال إلى جانب الملا مصطفى بارزاني ضد الحكومة العراقية وتوفي سنة 1992. والشيخ محمد عيسى سيدا قره كوئي (1924 - 2001) أحد مؤسسي الحزب الديمقراطي الكردستاني في سورية سنة 1957، والملا عبدالرحمن درّه، إمام الجامع الكبير في دياربكر.
وفي نفس سياق الاستقطاب الديني بين العمال الكردستاني (القومي - اليساري) و"حزب الله" وحزب العدالة والتنمية في المناطق الكرديّة، رعى الكردستاني مؤتمر الإسلام الديمقراطي في مدينة آمد (دياربكر) الكرديّة، جنوب شرق تركيا في 10/5/2014، حيث أرسل زعيم الكردستاني أوجلان من سجنه رسالة إلى المؤتمر. (10)
حزب الله وداعش:
عقيدة ومنهج حزب الله الكردي (التركي) هي خليط من التوجّه الأخواني - القطبي (سيد قطب) والسلفي الجهادي المتطرّف، إلى جانب الإعجاب بالتجربة الخمينيّة في إيران والدعوة إلى تطبيقها في تركيا، بالرغم من كونه حزباً سنّياً. والتشدد في هذا الحزب، لم يدفعه لمواجهة العمال الكردستاني على قاعدة الاختلاف الآيديولوجي على أن الأخير مجموعة من "الكفرة والملاحدة والمرتدّين"، بل تجاوز ذلك إلى استهداف المنشقين عنه، كما ذكرنا، واستهداف المختلفين معه، كجريمة اختطاف واغتيال رجل الدين ورئيس "وقف الزهراء" الإسلامي، عزالدين يلدرم. حيث اختطف في 29/12/1999 من اسطنبول، وتم العثور على جثته في مدينة باطمان 28/1/2000.
وفي الآونة الأخيرة، تشير العديد من التقارير إلى انتماء عناصر إسلاميّة كرديّة تركيّة، ضمن "داعش" قاتلت وتقاتل في سورية والعراق ضدّ المقاتلين الكرد، بحجّة الجهاد ضدّ الكفّار. تفيد هذه التقارير أن حزب الله والبيئة المحيطة به، هي من بين المصادر التي تزوّد التنظيمات الجهاديّة التكفيريّة بالمقاتلين.
وبموجب التعديلات الدستوريّة التي أجرتها حكومة حزب العدالة والتنمية، تمّ الإفراج عن المئات من قيادات وعناصر حزب الله. وبعد أن حقق العدالة والتنمية الإسلامي نجاحات كبيرة واستراتيجيّة، بدأت تزداد لدى حزب الله الرغبة في النشاط العلني والانخراط في العمليّة السياسيّة، فأعلن "حزب الله" في مطلع سنة 2013 عن تشكيل حزب سياسي رسمي مرخّص باسم حزب "الدعوة الحرّة" (HUR DAVA PARTISI)، ويعرف اختصاراً "هُدى - بار HUDA PAR" يرأسه زكريا يابجي أوغلو. وهو محامٍ من مواليد منطقة باطمان الكرديّة، جنوب شرق تركيا، سنة 1966. ودخل هذا الحزب الانتخابات المحليّة التي شهدتها تركيا نهاية آذار الماضي، وحصل على ما يزيد عن 100 ألف صوت في المناطق الكرديّة، ما خلق مفاجأة للعمال الكردستاني وحزب العدالة والتنمية أيضاً. (11). ويمتلك الحزب الآن، العديد من الصحف والمجلات، ويسعى إلى إطلاق قناة فضائيّة، وتزداد شعبيته في المناطق الكرديّة، ما يشكل تحدّيّاً للعمال الكردستاني على المدى القريب، بخاصّة إذا تكللت التسوية السلميّة بين الكردستاني والحكومة التركيّة بالنجاح.
في كردستان إيران
غالبية كرد إيران الذين يتراوح عدد بين 6 الى 7 مليون من المسلمين السنّة، مع موجود نسبة من الشيعة و"أهل حق" بينهم. ولعب رجال الدين الكرد دوراً رئيساً في تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني في 15/8/1945، بزعامة قاضي محمد. وفي 23/12/1946، تم الإعلان عن جمهوريّة كردستان في مهاباد، برئاسة زعيم الكردستاني الإيراني، وبدعم من ستالين. وبعد سحب الأخير دعمه للدويلة الكرديّة، سحقها نظام الشاه وعلقّ قادتها على أعواد المشانق في 31/3/1947.
آيديولوجيّة الكردستاني الإيراني هي خليط من التوجه القومي واليساري، ولم يمنع ذلك تولي رجال دين قيادة الحزب، كالشيخ عزالدين حسيني. ولا تشير المصادر التي تناولت تاريخ الحركة السياسيّة الكرديّة في إيران، إلى وجود حركات وأحزاب ذات خلفيّة دينيّة، باستثناء دور وتأثير الشيخ أحمد مفتي زاده (1933 - 1993) الذي أسس وتزعّم "مدارس القرآن" سنة 1978. ولم ينحصر تأثير مفتي زاده على قطاعات واسعة من كرد الإيرانيين، بل تجاوزهم إلى سنّة إيران، كمسؤول الأخوان المسلمين في هذا البلد. فأصبح ملاحقاً من نظام الشاه ونظام الخميني، على أنه يحمل هويّتين سياسيتين قوميّة، كونه طالب بالحكم الذاتي لأكراد إيران، ودينيّة، كونه أحد أبرز قادة السنّة، وممثل لجماعة الأخوان المسلمين في إيران. ودعم مفتي زاده ثورة الخميني على نظام الشاه، وانتقد العمليات العسكريّة التي شنّها الديمقراطي الكردستاني الإيراني وحزب كوملة اليساري على النظام الجديد. مع بدء العمليات العسكريّة الإيرانيّة ضدّ الكرد سنة 1983، أعلن مفتي زاده تخليه عن دعمه للنظام الإيراني، وقدّم استقالته من الهيئة الاستشاريّة الإيرانيّة ومن قيادة الحركة السياسيّة (مدارس القرآن) التي كان يقودها. وتم اعتقاله في نفس العام، بتهمة تشكيل خطر على الأمن القومي، وحُكمَ عليه بالسجن خمس سنوات. وبعد انتهاء المدّة، رفض التوقيع على تعهّد خطّي يقضي بعدم ممارسة النشاط السياسي، فسجنته السلطات الإيرانيّة خمس سنوات أخرى. وتوفي سنة 1993 بعد أسبوعين من إطلاق سراحه، بسبب تفاقم حالته الصحيّة وإصابته بالعمى، نتيجة التعذيب الذي تعرّض له طيلة فترة السجن. وبعد موت مفتي زاده، اعتقلت السلطات الايرانيّة العديد من رفاق وقيادات حركة "مدارس القرآن"، كفرسد فروغ وناصر سبحاني، بهدف القضاء على أية فرصة تأسيس تنظيمي سياسي كردي بهويّة دينيّة.
داعش والاستخبارات الإيرانية:
وبعد التطورات الأخيرة في العراق، ودخول الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني على خط الاشتباك مع "داعش" عبر إرسال مقاتليه إلى منطقة شنكال (سنجار) إلى جانب قوات البيمشركة الكرديّة العراقية، لقتال "داعش"، كشف الموقع الرسمي للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني على شبكة الانترنت " Kurdistan Media" أن هنالك حملة في مناطق "ساقز"، "بوكان" تحريض الشباب الكردي الإيراني على القتال في سورية والعراق، يقوم بها أئمة جوامع، تحت سمع وبصر السلطات الإيرانيّة. (12)
وفي تقرير آخر، نشره الموقع نفسه يوم 12/8/2008، يذكر أن السلفيين الكرد الإيرانيين، وبدعم من الاستخبارات الإيرانيّة "الاطلاعات" قاموا بمظاهرة في مدينة بوكان الكرديّة الإيرانيّة، حمالين أعلام "داعش"، مرددين هتافات منددة بالديمقراطي الكردستاني على خلفية إرساله مقاتليه لقتال "داعش" منطقة سنجار. وأشار التقرير إلى أن هذه المجموعات التكفيريّة تنشط بشكل علني في مدن؛ بانة، ساقز، مريوان، وسنه (سننداج) في كردستان إيران. (13)
في كردستان سورية
برز من الكرد السوريين رجال دين معروفين، منهم والوا النظام السوري على زمن الأسد الأب والابن معاً، كمفتى سورية السابق، الشيخ أحمد كفتارو (1915 - 2004) والداعية محمد سعيد رمضان البوطي (1929 - 2013). ومنهم من اتجه الدعوة والعلم والابتعاد عن السياسة كشيوخ آل الخزنوي، ومنهم اتجه نحو الانخراط في العمل السياسي كالشيخ محمد عيسى سيدا قره كوئي (1924 - 2001) الذي كان من مؤسسي الحزب الديمقراطي الكردستاني - سورية (البارتي) يوم 14/6/1957 (12)، والشيخ محمد باقي ملا محمود (1936 - 2008) السكرتير السابق للحزب الديمقراطي الكردي السوري. ومنهم انخرط في العمل السياسي، كمستقل، دون أي انتماء حزبي، كالشيخ محمد معشوق الخزنوي (1957 - 2005) الذي اختطفه أجهزة المخابرات السورية يوم 10/5/2005 وقتلته تحت التعذيب، وتمّ العثور على جثمانه في 1/6/2005. وكان الشيخ محمد معشوق الخزنوي، صاحب كاريزما وحضور لافت ومؤثّر، وذو نزعة إصلاحيّة تنويريّة في الخطاب الديني، بالتوازي مع اهتماماته السياسيّة ومناصرته حقوقه شعبه الكردي، ما جعله مستهدفاً من قبل النظام السوري، لأنها رأت فيه مشروع زعيم ديني - سياسي وقومي، ربما يؤسس لحزب كردي إسلامي، يملأ الفراغ الذي خلقته أحزاب الحركة الكرديّة في سورية، بتشرذمها وانشقاقاتها (15).
النسيج الاجتماعي الكردي في سورية، متنوّع، يغلب عليه المذهب السنّي - الشافعي، مع وجود بعض القرى الشيعيّة في منطقة عفرين الكرديّة. إلى جانب وجود الإيزيديين. ويتّسم تديّنهم بالاعتدال، بشكل فطري وعفوي، لذا، حين أعلنت جماعة الأخوان المسلمين السوريّة العصيان على النظام السوري بهدف إسقاطه والوصول للسلطة في نهاية السبعينات من القرن المنصرم، لم يشارك الكرد في العصيان، بالرغم من حالة القمع والظلم والتهميش التي كانوا يعانونها من نظام الأسد الأب. كما بقيت المناطق الكرديّة السوريّة مغلقة على الأخوان، وعدد الكرد المنتسبين للجماعة وقتئذ، يكاد يُعدّ على أصابع اليد، باستثناء عائلة البرازي ذات الأصول الكرديّة، المتواجدة في محافظة حماة، وليس في المناطق الكرديّة.
وبعد اندلاع الثورة السوريّة في آذار 2011، وتحوّلها إلى العنف والاقتتال الطائفي، واستهداف كل من "جبهة النصرة" و"داعش" للمناطق الكرديّة في سورية، لم يجد هذين التنظيمين التكفيريين تلك الحاضنة الشعبيّة بين الكرد، بل وجداها بين العرب الذين استقدمهم النظام السوري من محافظات الرقة وديرالزور إلى المناطق الكرديّة، في سياق مشروع الحزام العربي الذي أطلقه النظام سنة 1974، بهدف إجراء تغيير ديموغرافي في المناطق الكرديّة وتعريبها. كما انتسب الى "داعش" و"النصرة" بعض العناصر العربيّة، من سكّان تلك المناطق الأصلاء أيضاً.
في الموقف من داعش والنصرة:
وفقاً للعرض السابق، نستخلص التالي:
1 - التطرّف الديني عبّر عن نفسه سياسيّاً وعسكريّاً بين كرد العراق وتركيا، نتيجة الجهل والفساد، والدعم الإيراني والتركي، بغية تحقيق أهداف سياسيّة. في حين لم يجد التطرّف الديني لنفسه موطئ قدم بين الكرد في سورية. بينما بات التطرّف الإسلامي يجد لنفسه حيّز متنامي ومستمرّ بين كرد إيران، عبر تغطية إيرانيّة، طالماً أن هذا التوجّه لا يستهدف النظام الإيراني، ويدفع باتجاه زجّ الشباب الكردي في حروب خارج حدود إيران.
2 - العناصر الكرديّة المتطرّفة المنتمية إلى "داعش" و"النصرة" هي من كرد العراق وتركيا وإيران. وإذا كان هنالك عناصر من كرد سورية، فهم بعدد أصابع اليد، ومنبوذون في المحيط الكردي السوري. وعودة هذه العناصر من الحرب في سورية والعراق إلى مدنها، سيكون له بالغ الأثر على اتساع وانتعاش رقعة التطرّف الديني بين الكرد.
3 - لا يوجد حتى الآن، مشاريع معالجة سياسيّة، اجتماعيّة، اقتصاديّة، تربويّة ونفسيّة لمشكلة التطرّف الديني، قدّمتها قيادة كردستان العراق. ويتمّ تبرير هذه الظاهرة؛ على أنها عالميّة، ولا تخصّ منطقة معيّنة. وهو التبرير نفسه الذي تقدّمه سلطات الإقليم الكردي بخصوص ظاهرة الفساد الإداري والمالي المتفشيّة في كردستان العرق؛ على أن الفساد موجود حتّى في البلدان المتقدّمة أيضاً، ولا يقتصر على كردستان، وبالتالي، لا يمكن الحؤول دونه!.
4 - خلو الحراك السياسي الكردي السوري من الإسلام السياسي، بحكم المزاج العام للكرد السوريين وتديّنهم المعتدل، لا يعني أنهم بمنأى عن موجة التعصّب والأصوليّة والتطرّف الديني التي تضرب المنطقة برمّتها. ما يملي على النخب الكرديّة والإدارة التي تسيطر وتحكم المناطق الكرديّة، اتخاذ الكثير من التدابير التي من شأنها زيادة الممانعة الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة لهذه الظاهرة. وبالرغم من قتال حزب الاتحاد الديمقراطي - PYD لـ"داعش" بشكل ملحوظ ومشهود له، إلاّ أن العديد من المراقبين يخشون أن تتسبب حالة القمع والتسلّط التي يفرضها الحزب المذكور على المناطق الكرديّة السوريّة، في توجّه أنظار الشباب الكردي إلى التنظيمات التكفيريّة، كردّة فعل عكسيّة.
ــــــــــــــــــــــ
المصادر:
1 - بارزاني يجتمع مع قيادات الاحزاب الكردية بخصوص تهديدات داعش والتطورات الاخيرة http://peyamner.com/Arabic/PNAnews.aspx?ID=344216
2 - مشاهير الكرد في التاريخ الإسلامي د. أحمد خليل ttp://ahmedalkhalil.wordpress.com/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B3%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-2/%D8%B3%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A9-%D9%85%D8%B4%D8%A7%D9%87%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D8%AF-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE/
مشاهير الكرد وكردستان، محمد أمين زكي / دار الزمان للنشر والطباعة والتوزيع 2011
3 - الموقع الرسمي للاتحاد الإسلامي الكردستاني http://www.kurdiu.org/details.php?section=services&lang=2&id=11
4 - مقابلة مع ملا كريكار - برنامج مراجعات في قناة الحوار - تقديم عزام سلطان التميمي
https://www.youtube.com/watch?v=xVKWAluQKfM
https://www.youtube.com/watch?v=YDty8H0KLdU
5 - نتائج انتخابات برلمان إقليم كردستان http://www.krg.org/a/d.aspx?l=14&a=49265
6 - http://www.alhayat.com/Articles/4229189/%D9%85%D8%A6%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%...
7- الإسلاميون ومركز القوى في كردستان / علي سيريني - "إيلاف" 16/6/2007 http://elaph.com/ElaphWeb/ElaphWriter/2007/6/239683.htm
8 - الفساد يهدد كردستان العراق http://daharchives.alhayat.com/issue_archive/Hayat%20INT/2007/2/25/%D8%A...
9 - http://www.islamist-movements.com/2388
10 - http://www.hawarnews.com/index.php/2013-02-14-17-53-15/13583-2014-05-11-...
http://ar.firatajans.com/news/akhr-l-khbr/rsl-qy-d-lsh-b-lkrdy-l-mw-tmr-...
11 - الموقع الرسمي لحزب الدعوة الحرة (الجناح العلني لحزب الله التركي) http://hudapar.org/Detay/Sayfalar/209/genel-baskan.aspx
صفحة الحزب على الفيسبوك https://www.facebook.com/HurDavaPartisi
خطاب لحسين ولي أوغلو يعود الى 15/7/1994 https://www.youtube.com/watch?v=mtJ8Yjx6ghg
 
12 - تحريض على القتال في سورية والعراق بين كرد ايران
http://www.kurdistanmedia.com/kurdi/index.php?besh=dreje&id=14655
13 - مظاهرات في مدن كردية ايرانية دعماً لداعش
http://www.kurdistanmedia.com/kurdi/index.php?besh=dreje&id=14767
14 - مقال لمحمود سيدا: نجل الشيخ محمد عيسى سيدا http://www.gemyakurdan.net/gotar-nerin/gotari/item/11568-2013-06-22-21-1...
15 - خطاب للشيخ محمد معشوق الخزنوي في عيد النوروز الكردي
https://www.youtube.com/watch?v=JCTry1BFfYY