الشعور بالظلم ومعضلة العدالة

2013-11-10

الشعور بالظلم ومعضلة العدالة
الشعور بالظلم، والعيش مع الظلم. هذا هو حال المجتمعات العربية. وهذا أصل كل الغضب وسبب التعبئة الأول للإنتفاضات والثورات التي انفجرت في أنحاء المنطقة العربية. قبل الحرية، وقبل الخبز، وقبل الكرامة، بل ومن أجل هذه العناوين الثلاثة..هناك الشكوى من الظلم. الحرمان من فرص العمل والسكن والتعليم والطبابة كما الحرمان من حق القول والتفكير والإعتقاد، والإنتهاكات المنهجية اليومية للحقوق الفردية والعامة، وغياب المساواة أوأبسط أنواع المحاسبة، وما لا حصر له من سياسات إفقار ومصادرة ونهب...كلها أدت إلى رسوخ الشعور العام بأن الإعتداء على حقوق الناس هو من عاديات السلطة وعاديات "النخبة" المتسلطة والفاسدة، والشديدة الفجور.
دوماً، كان الشعور العام بأن القوانين يصوغها وينتهكها أولئك الأقوياء، المتأبدون في السلطة، محتكروا الثروات، الحائزون وحدهم على المقدرات والأرض والخيرات والقوة. ولهم وحدهم الحظ في الترقي والرفاهية والسعادة. ولم يكن ذاك صراعاً طبقياً ولا وعياً طبقياً، إذ ما من طبقات تقريباً ولا ديناميكية طبقية متحركة ومتحولة، بل قسمة جامدة، شبه أبدية بين نوعين من البشر: العامة التي لا تملك شيئاً، والنخبة الحصرية الوراثية الحائزة على كل شيء، والتي لا يمكن الدخول في عضويتها إلا عبر أشد الطرق التواء وفساداً (وإجراماً).
تم بناء أنظمة سياسية كاملة لضمان بقاء هكذا سلطات وترسيخ استمرارية هكذا "نخب". وكان الشرط الأول لثبات هذا الظلم هو غياب العدالة، والتحكم بالقوانين، والسيطرة على القضاء. وإذا كان من سمة خاصة بالعالم العربي، فهي الإعتلال الفادح للعدالة ولسلطة القضاء وضعف القوانين.
لذا، يبدو أن الإنتقال التاريخي من عهد الإستبداد إلى عهد الحرية، مرتبط أساساً بقضية العدالة، التي هي أعمق بكثير وأعقد من مسألة إسقاط النظام، والإطاحة بالسلطة ونخبتها. وحتى الآن، تواجه المجتمعات العربية معضلة هائلة في الإنتقال من حال الظلم إلى مرحلة إحقاق الحق والعدالة والمساواة والمحاسبة.
لقد كان الإستحقاق الأول من نوعه، أو الإمتحان العسير لحضور العدالة في الحياة العربية، عام 2004، مع بدء محاكمة صدام حسين، التي استمرت حتى أواخر العام 2006، وانتهت إلى إعدامه على عجل. تلك كانت أول محاكمة شبه علنية لرئيس عربي، نموذجي في استبداده وطغيانه. ومع ذلك، فوّت العراقيون فرصة نادرة ليس فقط لمحاسبة الديكتاتور على أفعاله، بل لمحاكمة أسس الطغيان، ولمراجعة التاريخ وصوغ ذاكرة جمعية، وتأليف ضمير عام، وكشف أسباب الظلم الفادح والمديد الذي وقع على العراقيين لعقود عدة، ومنح الضحايا العزاء والمكانة والتعويض. وكان يمكن لهكذا محاكمة أن تكون بمثابة "تأسيس" لثقافة العدالة في بلد غارق بفظاعات المظالم.
بدلاً من ذلك، أديرت محاكمة صدام حسين من قبل قضاة غير محايدين، وجرت وفق إجراءات تفتقر إلى معرفة أساسيات المحاكمة العادلة. وانتهت إلى أن تكون عملية ثأر وانتقام، لم ينتج عنها سوى ضغائن إضافية. في هذه المحاكمة كانت إجراءات العدالة هي الضحية الأولى. والحادثة التي ستغذي أسباب فشل بناء الدولة العراقية الجديدة، واستمرار أوجه الحرب الأهلية الطائفية. كان صدام حسين بنظر العالم يستحق الإعدام، لكن العراقيين كانوا يستحقون محاكمة تليق بحلم العدالة، وهذا ما سلبتهم إياه السلطة الجديدة.
مع الثورات العربية، أتت فرص أخرى للعدالة ولإقامة سلطة قضائية جديدة ونزيهة، وضرورية من أجل دولة الحرية والكرامة والديموقراطية. لكن يبدو مجدداً أنها كانت فرصاً مهدورة. فمن "التسوية" الفاسدة والوقحة في اليمن، التي حرمت اليمنيين من محاكمة الطغمة العائلية، وحصّنت الرئيس علي عبدالله صالح وأسرته وحاشيته من أي محاسبة أو ملاحقة..إلى الإعدام الميداني الدموي والغوغائي للديكتاتور معمر القذافي، فيما كانت المحاكمة الغيابية للرئيس التونسي زين العابدين بن علي، ضعيفة الفاعلية، ولم تسفر عن أي "مراجعة" فعلية لنظام الفساد والقمع، واقتصرت على أن تكون "جنائية" الطابع. فعلى الرغم من الوقار النسبي للقضاء التونسي، إلا أنه كان أضعف من إجراء محاكمة لـ"النظام السياسي" وأجهزته.
الفرصة الأهم والأكثر تأثيراً على العالم العربي، أتت مع محاكمة الرئيس المصري محمد حسني مبارك ونجليه، وبعض وزرائه وأعوانه. فبسبب شموليتها وكثرة المتهمين فيها، وعلنيتها وضخامة ملفاتها وتضمنها اتهامات عديدة، بدت أنها أشبه بـ"محاكمة العصر" حسبما وصف الكثير من المصريين. انتهت المحاكمة تقريباً إلى إدانات متفرقة وثانوية و"براءة من تهم الفساد المالي"، وهي اليوم في طور "الإعادة". لماذا؟ خلل فادح في الإعداد لها، وفوضى غير مسبوقة، وتداخل حميم بين السياسة وسلطة "الدولة العميقة" (البيروقراطية الكافكاوية) والأجهزة العسكرية الأمنية، والجسم القضائي.
ثمة شكوك عميقة بثتها محاكمة مبارك، في قدرة العدالة على إرساء سلطتها وقوانينها، وبالتالي أرخت ظلالاً كثيفة من التشاؤم في إصلاح النظام السياسي في مصر، وفي مسار الإنتقال الديموقراطي.
الأسوأ ليس في تعثر العدالة، بل في إساءة استخدامها مجدداً بعد الثورات، بوصفها "وسيلة سياسية" للإنتقام وللتنكيل بالخصوم، وترهيب المعارضين.
من كان يتخيل بعد ثورة يناير أن يعود "قانون الطوارئ" إلى القاهرة؟! الذي هو قانون تعطيل القوانين وانتهاكها، وانتهاك حرية المواطنين وحقوقهم. من كان يتخيل بعد الذي حدث في جلسات محاكمة مبارك وأحكامها، أن تقام محاكمة مثل التي تجري للرئيس المعزول محمد مرسي، مع تلك "التهم" التي أقل ما يقال فيها أنها كيدية.
في محاكمة مبارك، كان واضحاً أن الأدلة مغيّبة عمداً. وفي محاكمة مرسي يبدو واضحاً أن الشفافية مغيبة عمداً. وفي الحالتين لن تتحقق العدالة. وعلى أي حل، المحاكمتان تمتا تحت وصاية حكم عسكري (الطنطاوي ثم السيسي). وفي ذلك دلالة غير مشجعة على مستقبل الديموقراطية والعدالة والحرية... والمصالحة الوطنية أيضاً.
هكذا يبدو أن زمن الظلم لم يأفل بعد.
يوسف بزي
(نوافذ المستقبل)